ما شاء الله تبارك الله




العودة   منتديات القمة > اسلاميات > قسم نصرة رسول الله والسيره العطره
قسم نصرة رسول الله والسيره العطره مواضيع نصرة نبينا عليه الصلاة و السلام



إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-12-19, 01:46 AM   #36
الملف الشخصي للعضو

:: عضو برونزي ::

 
الصورة الرمزية احمد_الدليمي

معلومات إضافية للعضو
 
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 377650
الدولة: دولة الكويت
المشاركات: 827
بمعدل : 0.36 يوميا
المواضيع :
الردود :
Rep Power: 136309047
احمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزه

العضو : احمد_الدليمي المنتدى : قسم نصرة رسول الله والسيره العطره


5- مسيرة سعد إلى العراق ووصية عمر رضي الله عنهما:
جاء الأمر من عمر أمير المؤمنين إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما بالرحيل من ((زرود)) إلى العراق استعداداً لخوض المعركة الفاصلة مع الفرس وأوصاه بالوصية التالية: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله عز وجل أفضل العدة على العدو، وأقوى العدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدَّتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منَّا ولن يسلط علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قوم سلط عليهم شرٌّ منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولا، اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لناولكم، وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشِّمهم مسيراً يتعبهم ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، جامِّ الأنفس والكراع( )، وأقم بمن معك كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة، يجمعون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونحَّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلنها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا ترزأ أحداً من أهلها شيئاً فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فوفوا لهم،
ولا تنتصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعض، والغاش عين عليك وليس عيناً لك، وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبثّ السرايا بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عورتهم، وانتق الطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجلاد،لعلها (ولا تخص أحداً بهوى) فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه ضيعة ونكاية، فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعالجهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنيعته بك ثم أذك حراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك، ولا تؤتى بأسير ليس له عهد إلا ضربت عنقه لترهب بذلك عدوك وعدو الله، والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم والله المستعان( )، فهذا خطاب عظيم يشتمل على وصايا نافعة ، يوضح لنا جانباً مهماً من عظمة عمر رضي الله عنه وهو خبرته العالية في التخطيط الحربي، وقد كان التوفيق الإلهي واضحاً في كل توجيهاته ووصاياه( )، ويمكننا أن نستخلص بعض المبادئ الهامة التي اشتملت عليها تلك الوصية منها:

- أمر الجيش بطاعة الله وتقواه في كل الأحوال، باعتبار أن هذا هو السلاح الأول، والتنبيه أن العدو الأول هو الذنوب، ثم المحاربون الكفار، ولفت النظر إلى أن ثمة رقابة دقيقة ودائمة، من الملائكة على أفراد الجيش الإسلامي، والإشارة إلى ضرورة الاستحياء من المعاصي، إذا لا يعقل أن يعصي المرء وهو في ساحة الجهاد في سبيل الله، والتأكيد على أنه من المجافي للصواب، اتخاذ سلوكيات العدو معياراً لتبرير سلوكيات الجيش الإسلامي واستحضار الحاجة الدائمة إلى معونة الله.
- أما المبدأ الثاني الذي أكدت عليه رسالة عمر إلى سعد فهو: رعاية الطرف الأول في العلاقة محل البحث ضد أي خطر، وتأكيد حرمة قرى أهل الصلح وتلمس أسباب تأمينها، وتأمين الصورة الإسلامية من أية آثار عكسية تؤثر على نجاح عملية الاتصال بين المسلمين وغير المسلمين، من جراء سلوكيات غير مستقيمة من جانب بعض العناصر الإسلامية، وسعياً لتحقيق متطلبات هذا المبدأ، أمر عمر أميره بمراعاة أسباب الحفاظ على معنويات الجيش، وإيصاله إلى أرض العدو، وهو قادر على المواجهة، فقال: ترفق بالمسلمين في سيرهم.. إلى أن قال يكون ذلك لهم راحة يجمعون بها أنفسهم، ويصلحون أسلحتهم، وأمتعتهم، وبعد التأكيد على أسباب صيانة وسلامة الأنفس والعتاد الحربي الإسلامي، نبه عمر إلى أن الوقاية خير من العلاج، وأن من أهم أسلحة الجيش الظهور بسلوكيات إسلامية، يوافق فيها القول العمل، فأمر عمر – كإجراء احتياطي – بإبعاد منازل الجيش عن قرى الصلح درءاً لإمكانية وقوع أية تجاوزات، تعود بالسلب، على العلاقة المراد إقامتها، وعدم السماح إلا لأهل الثقة بدخول قرى الصلح، والتأكيد على حرمة أهل الصلح ولزوم الوفاء لهم.

- ونصت رسالة عمر على مبدأ ثالث وهو: التنوع في أسلوب المعاملة حسب نوعية شريك الدور، والرفق بأهل الصلح، وعدم تحميلهم فوق طاقتهم، فلقد طلب عمر من أميره، ألا يظلم أهل الصلح بغية النصر على أهل الحرب، وأن يستعين بمن يثق به من أهل المناطق الجاري فتحها، على أن تكون دواعي الثقة المطلقة بمعنى: التحرز فيها كيلاً يؤتى من قبيل الإفراط في حسن الظن.

- أما المبدأ الرابع: فهو ضرورة جمع معلومات كافية عن العدو، فلقد نبه عمر إلى ضرورة إسناد أمر جمع المعلومات إلى طلائع استطلاع من أفضل عناصر الجيش، مع تسليحها بأفضل ما بحوزة الجيش من أسلحة، ذلك أن العدو قد يكشف بعضها فيكرهها على الدخول في قتال، ويجب بالتالي أن تكون من القوة بحيث تحدث الأثر النفسي المطلوب في العدو بإشعاره بقوة الجيش، وبتلمس أسباب الكف عن استخدام القوة.

- أما المبدأ الخامس، والأخير، في رسالة عمر، فهو: وضعه الرجل المناسب في المكان المناسب، واعتبار أن الغرض من جمع المعلومات عن العدو ليس التمكن من محاربته، بقدر ما هو التحرز من استكراه الطرف الثاني للمسلمين على القتال، ولذا يجب على المسلمين الكف بعد الأخذ بالأسباب، والتأهب ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً مع أخذ الحيطة والحذر البالغين( ).

6- الاستعانة بمن تاب من المرتدين:
إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لم يستعن في حروب الردة ولا في حركة الفتوحات بمرتد، وأما عمر رضي الله عنه فقد استنفرهم بعد أن تابوا وصلح حالهم وأخذوا قسطاً من التربية الإسلامية إلا أنه لم يول منهم أحداً( )، وقد جاء في رواية أنه قال لسعد بن أبي وقاص في شأن طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي: استعن بهما ولا تولينهما على مائة( )، فنستفيد من سنة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر( )، أن من ارتد عن الإسلام ثم تاب ورجع إليه فإن توبته مقبولة ويكون معصوم الدم والمال، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم غير أنه
لا يولى شيئاً من أمور المسلمين المهمة وخاصة الأعمال القيادية، وذلك لاحتمال أن تكون توبته نفاقاً، وإذا كانت كذلك وتولى قيادة المسلمين المهمة وخاصة الأعمال القيادية، فإنه يفسد في الأرض ويقلب موازين الحياة فيقرب أمثاله من المنافقين ويبعد المؤمنين الصادقين ويحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع تسوده مظاهر الجاهلية، فكانت هذه السنة الراشدة من الخليفتين الراشدين لحماية المجتمع الإسلامي من تسلل المفسدين إلى قيادته وتوجيهه، ولعل حكم هذه السنة أيضاً ملاحظة عقوبة المرتدين بنقيض قصدهم، الذين يرتدون من أجل الحصول على الزعامات والقيادات، إذا أظهروا التوبة، وعادوا إلى الإسلام يحرمون من هذه القيادات عقوبة لهم، وردعاً لكل من تسول له نفسه أن يخرج عن الخط الإسلامي، ويبحث عن الزعامة في معاداة الإسلام وموالاة أعدائه( ).

7- كتاب من أمير المؤمنين إلى سعد بن أبي وقاص:
وصل إلى سعد بن أبي وقاص كتاب من أمير المؤمنين وهو نازل في شراف على حدود العراق يأمره فيه بالمسير نحو فارس وقد جاء في هذا الكتاب: أما بعد فسر من شراف نحو فارس، بمن معك من المسلمين، وتوكل على الله واستعن به على أمرك كله، واعلم فيما لديك أنك تقدم على أمة عددهم كثير وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع – وإن كان سهلاً – كؤود لبحوره وفيوضه ودأدائه( )، إلا أن توافقوا غيضاً من فيض، وإذا لقيتم القوم أو أحداً منهم فابدؤوهم العتيد والضرب، وإياكم والمناظرة – لجموعهم – يعني الانتظار بعد المواجهة – ولا يخدعنكم فإنهم خدعة مكرة، أمرهم غير أمركم، إلا أن تجادوهم – يعني تأخذوهم بالجد – وإذا انتهيت إلى القادسية( )، فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر والمدر( )، على حافات الحجر وحافات المدر، والجراع بينهما( )، ثم ألزم مكانك فلا تبرحه فإنهم إن أحسوك انغضتهم رموك بجمعهم، الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم، واحتبستم لقتاله ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبداً، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى كان الحجر في أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن، وهذه الوصية في اختيار المكان الذي يستقر فيه الجيش تشبه وصية المثنى لسعد حيث اتفق رأي عمر والمثنى في اختيار المكان، وكانت تلك الوصية من المثنى نتيجة خبرة أكثر من ثلاث سنوات في حرب الفرس، وهذا دليل على براعة عمر رضي الله عنه في التخطيط الحربي مع أنه لم تطأ قدماه أرض العراق رضي الله عنهم أجمعين، وتتضمن هذه الوصية إبقاء الجيش بعيداً عن متناول الأعداء، ثم رميهم بالسرايا التي تنغص عليهم حياتهم وتثير عليهم أتباعهم حتى يضطر المسلمون إلى منازلتهم في المكان الذي تم اختياره( ).

8- من أسباب النصر المعنوية في رأي عمر رضي الله عنه:
كتب عمر رضي الله عنه إلى سعد يذكره بأسباب النصر المعنوية وهي التي تأتي في المقام الأول، وقد جاء في كتابه: أما بعد فتعاهد قلبك وحادث جندك بالموعظة والنية والحسبة، ومن غفل فليحدثهما والصبر الصبر، فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية والأجر قدر الحسبة، والحذر الحذر على ما أنت عليه وما أنت بسبيله واسألوا الله العافية، وأكثروا من قول ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) واكتب إليَّ أين بلغ جمعكم، ومن رأسهم الذي يلي مصادمتكم؟ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه، والذي استقر عليه أمر عدوكم، فصف لنا منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأني أنظر إليها، واجعلني من أمركم على الجيلة وخف الله وارجه، ولا تُدِل بشيء، واعلم أن الله قد وعدكم، وتوكل لهذا الأمر بما لا خُلف له، فاحذر أن تصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم( )، ففي هذا الكتاب يوصي عمر رضي الله عنه بتعاهد القلوب، فإن القلب هو المحرك لجميع أعضاء الجسم والحاكم عليها فإذا صلح صلح الجسم كله، ثم يوصيه بموعظة جنده وتذكيرهم بالإخلاص لله تعالى واحتساب الأجر عنده، ويبين أن نصر الله مترتب على ذلك، ويحذره من التفريط في المسؤولية التي تحملها وما يستقبله من الفتوح، ويذكرهم بوجوب ارتباطهم بالله تعالى وأن قوتهم من قوته ويوصي قائد المسلمين بأن يكون بين مقام الخوف من الله تعالى والرجاء لما عنده، وهو مقام عظيم من مقامات التوحيد وينهاه عن الإدلال على الله بشيء من العمل أو ثناء الناس ويذكره بما سبق من وعد الله تعالى بانتصار الإسلام وزوال ممالك الكفر، ويحذره من التهاون في تحقيق شيء من أسباب النصر، فيتخلف النصر عنهم ليتم على يد غيرهم ممن يختارهم الله تعالى( ).

9- سعد رضي الله عنه يصف موقع القادسية لعمر رضي الله عنه ورد عمر عليه:
كتب سعد إلى عمر رضي الله عنهما: يصف له البلدان التي يتوقع أن تكون ميداناً للمعركة الفاصلة، إلى أن قال: وأن جميع من صالح المسلمين من أهل السواد قبلي إلبٌ لأهل فارس قد خضعوا لهم واستعدوا لنا، وإن الذي أعدوا لمصادمتنا رستم في أمثال له منهم، فهم يحاولون إنغاضنا وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلّم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية( )، فكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينغض الله لك عدوك، واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع حتى تقحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله( )، ومن خلال رسالة عمر يتبين أنه اتخذ القرار المناسب وهو:

- أن يثبت سعد في مواقعه فلا يبارحها.
- أن لا يبادر العدو بالقتال بل يترك له أمر هذه المبادرة.
- أن يعمد إلى استثمار النصر ويطارد العدو حتى المدائن، فيفتحها عليه( )، ومع الأخذ بالأسباب المادية التي لا بد منها في إحراز النصر لم يترك الفاروق الجوانب المعنوية وشن حرب نفسية على الخصوم في عقر دراهم، وعز ملكهم، وقوة سطوتهم، فأرسل إلى سعد: إني ألقي في روعي: أنكم إذا لقيتم العدو غلبتموهم، فمتى لاعب أحد منكم أحداً من العجم بأمان وإشارة أو لسان كان عندهم أماناً، فأجروا له ذلك مجرى الأمان والوفاء فإن الخطأ بالوفاء بقية، وإن الخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم( ).
لقد كان عمر رضي الله عنه يعيش مع الجيش الإسلامي بكل مشاعره وأحاسيسه، ولقد تكاثفت عليه الهموم حتى أصبح لا يهنأ بعيش ولا يقر له قرار حتى يسمع أخبارهم، وإن في مثل هذا الإلهام من الله تعالى تخفيفاً من هذا العبء الكبير الذي تحمله عمر وتثبيتاً للمسلمين وتقوية لقلوبهم، ونلاحظ أن الفاروق رضي الله عنه ذكّر المسلمين بشيء من عوامل النصر المعنوية حيث حثهم على الالتزام بشرف الكلمة والصدق في القول والوفاء بالعهود، ولو كان من التزم بذلك أحد أفراد المسلمين، أو كان هناك خطأ في الفهم فلم يقصد المسلم الأمان وفهمه
العدو أماناً( ).

ثانياً: الفاروق يطلب من سعد أن يرسل وفداً لمناظرة ملك الفرس:
وقال عمر لسعد في رسائله: لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله، وتوكل عليه وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه إلى الله فإن الله جاعل دعاءهم توهيناً لهم وفلجاً عليهم وطلب الفاروق من سعد أن يكتب له كل يوم( ) ، وشرع في جمع رجال من أهل النظر والرأي والجلد، فكان الذين وقع عليهم الاختيار من أهل الاجتهاد والآراء والأحساب.

1- النعمان بن مقرن المزني.
2- بسر بن أبي رهم الجهني.
3- حملة بن جويه الكناني.
4- حنظلة بن الربيع التميمي.
5- فرات بن حيان العجلي.
6- عدي بن سهيل.
7- المغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب( ).

واختار سعد نفراً عليهم مهابة ولهم منظر لأجسامهم ولهم آراء نافذة.

1- عطارد بن حاجب التميمي.
2- الأشعث بن قيس الكندي.
3- الحارث بن حسان الذهلي.
4- عاصم بن عمرو التميمي.
5- عمرو بن معدي كرب الزبيدي.
6- المغيرة بن شعبة الثقفي.
7- المعنى بن حارثة الشيباني( ).

فهم أربعة عشر داعية بعثهم سعد دعاة إلى ملك الفرس بأمر عمر رضي الله عنه وهم من سادات القوم كما أرادهم عمر رضي الله عنه، كي يستطيعوا دعوة يزدجرد بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولعل الله يهديه هو وجنده للإيمان وتحقن دماء الطرفين. لقد كان هذا الوفد المنتقى على درجة عالية من الكفاية والقدرة لما أوفد له، فالإضافة إلى ما يتمتعون به من جسامة وقوة ومهابة وحسن رأي، فلهم أيضاً سبق معرفة بالفرس، فقد كان منهم من عاركهم وعركهم ومارس معهم الحروب في حملات سابقة، ومنهم من وفد في الجاهلية على ملوك الفرس، ومنهم من يعرف اللغة الفارسية، فكأن سعد اختارهم لهذه الوفادة بعد أن اجتاز كل منهم كشفاً فنياً من حيث كفاءته وحسن رأيه، وكشفاً طبياً من حيث قوته وضعفه وكشف هيئة من حيث لياقته وجسامته( ). لقد كان الوفد يتمتع بميزتي الرغبة والرهبة التي تتوفر في جسامتهم ومهابتم وجلدهم وشدة ذكائهم( ).

وتحرك هذا الوفد الميمون بقيادة النعمان بن مقرن، فوصلوا المدائن وأدخلوا على ملك الفرس يزدجرد، فسألهم بواسطة ترجمانه: ما جاء بكم ودعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟ أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟
فتكلم عنهم النعمان بن مقرن، فقال: (إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خيري الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة قاربه منها فرقة، وتباعد عنه منها فرقة، ثم أمر أن نبتدئ بمن خالفه من العرب، فبدأنا بهم، فدخلوا معه على وجهين مكره عليه فاغتبط( )، وطائع فازداد، فعرفنا جميعاً فضل
ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمر أن نبتدئ بمن جاورنا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف. فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن، وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع منكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم وإلا قاتلناكم).
فقال ملك الفرس يزدجرد : إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً
ولا أسوأ ذات بين منكم، فقد كنا نوكل لكم قرى الضواحي فيكفونا أمركم:
ولا تطمعون أن تقوموا لفارس، فإن كان غرور لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد( )، فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.
فقام المغيرة بن زرارة، فقال: أما ما ذكرت من سوء الحال فكما وصفت وأشد وذكر من سوء عيش العرب ورحمة الله بهم بإرسال النبي ? .. مثل مقالة النعمان .. ثم قال: ((اختر إما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام)).
فقال يزدجرد: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، ثم استدعى بوقر( )، من تراب، وقال لقومه: احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن فقام عاصم بن عمرو وقال: أنا أشرفهم وأخذ التراب فحمله وخرج إلى راحلته فركبها، ولما وصل إلى سعد قال له (أبشر: فوالله لقد أعطانا الله أقاليد( )، ملكهم)) ( ) .
ثم إن رستم خرج بجيشه الهائل، مائة ألف أو يزيدون، من ساباط، فلما مر على كوش – قرية بين المدائن وبابل – لقيه رجل من العرب فقال له رستم: ما جاء بكم، وماذا تطلبون منا؟ قال: جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا قال رستم: قد وضعنا إذا في أيديكم: قال العربي: أعمالكم وضعتكم، فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تجادل( )، الإنس وإنما تجادل القدر!
فغضب منه رستم وقتله: فلما مرّ بجيشه على البرس – قرية بين الكوفة والحلة غصبوا أبناء أهله وأموالهم، وشربوا الخمور، ووقعوا على النساء! فشكى أهل البرس إلى رستم فقال لقومه: ((والله لقد صدق العربي! والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله إن العرب مع هؤلاء وهم حرب أحسن سيرة منكم)) ( ).
ولما علم سعد أمير جيش المسلمين خبر رستم، أرسل عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وطليحة بن خوليد الأسدي يستكشفان خبر الجيش مع عشرة رجال، فلم يسيروا إلا قليلاً حتى رأوا سرح العدو منتشراً على الطفوف( )، فرجعوا إلا طليحة، فإنه ظل سائراً حتى دخل جيش العدو وعلم ما فيه، فرجع إلى سعد وأخبره خبره وكان طليحة هذا من زعماء الردة.
وقد سمح الفاروق لمن ارتد وتاب من العرب بالاشتراك في الجهاد وكان الصديق رضي الله عنه يمنع ذلك، وكان الفاروق يمنع من خرج من زعماء أهل الرد بعد توبته إلى الجهاد أن يتولى إمارة ولم يولِّ منهم أحداً وحرص على أن يتربوا على معاني الإيمان والتقوى وأتاح لهم فرصة ثمينة ليعبروا فيها عن صدق إيمانهم وتقواهم وكان لطليحة الأسدي وعمرو الزبيدي مواقف مشهودة في حروب العراق والفرس.

 


احمد_الدليمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-12-19, 01:47 AM   #37
الملف الشخصي للعضو

:: عضو برونزي ::

 
الصورة الرمزية احمد_الدليمي

معلومات إضافية للعضو
 
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 377650
الدولة: دولة الكويت
المشاركات: 827
بمعدل : 0.36 يوميا
المواضيع :
الردود :
Rep Power: 136309047
احمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزه

العضو : احمد_الدليمي المنتدى : قسم نصرة رسول الله والسيره العطره

ثالثاً: سعد بن أبي وقاص يرسل وفوداً لدعوة رستم:
وسار رستم بجيشه من الحيرة حتى نزل القادسية على العتيق – جسر القادسية – أمام عسكر المسلمين، يحول بينهم النهر، ومع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلاً، ولما نزل أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلاً نكلمه.
فأرسل إليه: ربعيَّ بن عامر فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب: وبُسُط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب! فأقبل ربعيُّ على فرسه، وسيفه في خِرْقة( ) ورمحه مشدود بعِصَب( )، فلما انتهى إلى البساط وطأه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما: وجعل الحبل فيهما، ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها، فأشاروا عليه بوضع سلاحه؛ فقال: لو أتيتك فعلت ذلك بأمركم، وإنما دعوتموني، ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويُقارب خطوه حتى أفسد ما مرّ عليه من البُسط، ثم دنا من رستم، وجلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، وقال: إنّا لا نقعد على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بَعَثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومنْ ضيق الدُّنيا إلى سغنها، ومن جور الأدْيَان إلى عدل الإسلام، فأرسل لنا رسوله بدينه إلى خَلْقِهِ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة، أو الظَّفر( ).
فقال رستم قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ فقال: نعم، وإنَّ مما سَنَّ لنا رسول الله ? ألاّ نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة( ) في اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، وأنا كفيل عن أصحابي.
فقال رستم أسيِّدهم أنت؟ قال: لا ولكنّ المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض، يُجِيزُ أدناهم أعلاهم.
ثم انصرف، فخلا رستم بأصحابه، وقال: رأيتم كلاماً قط مثل كلام هذا الرجل؟ فأروه الاستخفاف بشأنه:
فقال رستم: ويلكم وإنما أنظر إلي الرأي والكلام والسيرة، والعربُ تستخف اللباس وتصون الأحساب.
فلما كان اليوم الثاني من نزوله، أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا هذا الرجل. فأرسل إليه حذيفة بن مِحْصَن الغلفاني، فلم يختلف عن ربعي في العمل والإجابة، ولا غرابة، فهما مستقيان من إناء واحد، وهو دين الإسلام.
فقال له رستم: ما قَعَد بالأول عنا؟ قال: (أميرُنا يَعْدل بيننا في الشدة والرّخاء، وهذه نوبتي). فقال رستم: والمواعدة إلى متى؟ قال: إلى ثلاث، من أمس.
وفي اليوم الثالث أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا رجلاً. فأرسل إليه المغيرة بن شعبة فتوجه إليه، ولما كان بحضرته جلس معه على سريره، فأقبلت إليه الأعوان يجذبونه! فقال لهم: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني: أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السِّيرة ولا على هذه العقول.
فقالت السوقة: صدق والله العربي، وقالت الدَّهاقين -زعماء الفلاحين- لقدر من بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه، قاتل الله سابقينا حيث كانوا يُصَغِّرون أمر هذه الأمة.
ثمّ تكلم رستم بكلام صَغَّر فيه شأن العرب، وضخَّم أمر الفرس، وذكر ما كانوا عليه من سوء الحال وضيق العيش( ).
فقال المغيرة: أما الذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق والاختلاف، فنعرفه
ولا ننكره، والدنيا دُول، والشدة بعدها الرخاء، ولو شكرتم ما أتاكم الله لكان شُكركم قليلاً على ما أوتيتم، وقد أسلمكم ضعف الشُّكر إلى تغير الحال وإن الله بعث فينا رسولاً، ثم ذكر مثل ما تقدم، وختم كلامه بالتخيير بين الإسلام أو الجزية أو المنابذة( ).
فخلا رستم بأهل فارس، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ألم يأتكم الأوَّلان فجسراكم( ) واستخرجاكم( )، ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا، وسلكوا طريقاً واحداً، ولزموا أمراً واحداً، هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن بلغ من أدبهم وصونهم لسرّهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم، لئن كانوا صادقين فما يقوم لهؤلاء شيء، فَلَجُّوا( ).


رابعاً: الاستعداد للمعركة:
لم ينتفع الفرس بدعوة الوفود، وتمادوا في غيهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فأجمع الفرس على القتال واستعد المسلمون لذلك وعبر الفرس نهر العتيق وعيّن رستم جيشه العرمرم على الشكل التالي:

- في القلب: ذو الحاجب (ومعه 18 فيلاً) عليها الصناديق والرجال.
- في الميمنة: مما يلي القلب: الجالينوس.
- في الميمنة: الهرمزان (ومعه 7 أو 8 أفيال ) عليها الصناديق والرجال.
- في الميسرة مما يلي القلب: البيرزان.
- في الميسرة: مهران (ومعه 7 أو 8 أفيال) عليها الصناديق والرجال، وأرسل رستم فرقة من خيالته إلى القنطرة لتمنع المسلمين من عبورها نحو جيشه، فأصبحت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين وكان ترتيب الصفوف على الشكل التالي:

- الخيالة في الصفوف الأولى، يليها الفيلة، ثم المشاة، ونصب لرستم مظلة كبيرة استظل بها على سريره وجلس يراقب سير المعركة( )، وكان المسلمون على أهبة الاستعداد وعلى أحسن تعبئة للقتال، فقد عبأ سعد بن أبي وقاص جيشه مبكراً، وأمّر الأمراء، وعرّف على كل عشرة عريفاً، وجعل على الرايات رجالاً من أهل السابقة أيضاً ورتّب المقدمة والساقة والمُجنِّبات والطلائع، وقد وصل القادسية على تعبئة، وقد عبأ جيشه على الشكل التالي:

1- على المقدمة: زُهرة بن الحَويَّة.
2- وعلى الميمنة: عبد الله بن المُعْتمِّ.
3- وعلى الميسرة: شرحبيل بن السمط الكندي، وخليفته خالد بن عُرْفُطة.
4- وعلى الساقة: عاصم بن عمرو.
5- وعلى الطلائع: سواد بن مالك.
6- وعلى المجرّدة: سلمان بن ربيعة الباهلي.
7- وعلى الرَّجَّالة: حَمَّال بن مالك الأسدي.
8- وعلى الركبان: عبد الله بن ذي السهمين الحنفي.
9- وعلى القضاء بينهم: عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي.
10- وكاتب الجيش: زياد بن أبي سفيان.
11- ورائده وداعيه: سلمان الفارسي وكل ذلك بأمر من عمر( ) هذا وقد خطب سعد بن أبي وقاص في الناس وتلا قول الله تعالى: ? وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ(105) ? (الأنبياء،آية:105). وأمر القرّاء أن يشرعوا في سورة الأنفال، فقرئت ولما أتموا قراءتها هشت( ) قلوب الناس وعيونهم، ونزلت السكينة وصلى الناس الظهر وأمر سعد جيشه أن يزحفوا بعد التكبيرة الرابعة وأن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله واستمرت المعركة أربعة أيام.
وقد كان سعد رضي الله عنه مريضاً بعرق النسأ، وبه دمامل لا يستطيع الركوب ولا الجلوس فكان مكبِّا على صدره وتحته وسادة ويشرف على الميدان من قصر قُدَيْس الذي كان في القادسية وقد أناب عنه في تبليغ أوامره خالد بن عرفطة، وقد أمر بأن ينادي في الجيش: ألا إن الحسد لا يحل إلا على الجهاد في أمر الله، أيها الناس فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد( )، وقبل بدء القتال حصل اختلاف على خالد بن عرفطة نائب سعد فقال سعد: احملوني وأشرفوا بي على الناس، فارتقوا به، فأكبّ مطَّلعاً عليهم والصف في أسفل حائط قصر قُدَيْس يأمر خالداً فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه بعض وجوه الناس فهمَّ بهم سعد وشتمهم، وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم، فحبسهم، ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر، وقال جرير بن عبد الله ? مؤيداً طاعة الأمير ? أما أني بايعت رسول الله ? على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر وإن كان عبداً حبشياً. وقال سعد: والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويشاغلهم وهم بإزائهم إلا سننتُ فيه سنة يؤخذ بها من بعدي( )، وقد قام فيهم سعد بن
أبي وقاص بعد هذه الحادثة خطيباً، فقال بعد أن حمد لله وأثنى عليه: إن الله هو الحق لا شريك له في الملك، وليس لقوله خُلف، قال الله جل ثناؤه:? وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي
الصَّالِحُونَ(105) ? (الأنبياء،آية:105) إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج فأنتم تطعمون منها وتأكلون، وتقتلون أهلها وتجبرنهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة، عِزَّ من وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرِّب ذلك أحداً إلى أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم تُوبقوا آخرتكم( ).
وكتب سعد إلى الرايات: إني قد استخلفت فيكم خالد بن عرفطة، وليس يمنعني أن أكون مكانه إلا وجعي الذي يعودني وما بي من الحبوب( )، فإني مُكبُّ على وجهي وشخصي لكم باد فاسمعوا له وأطيعوا فإنه إنما يأمركم بأمري ويعمل برأيي، فقُرئ على الناس فزادهم خيراً، وانتهوا إلى رأيه وقبلوا منه وتحاثُّوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عذر سعد والرِّضى بما صنع( )، وقد بقي سعد بن أبي وقاص فوق القصر وأصبح مشرفاً على ساحة المعركة ولم يكن القصر محصناً وهذا يدل على شجاعة سعد رضي الله عنه، فعن عثمان بن رجاء السعدي قال: كان سعد بن مالك أجرأ الناس وأشجعهم، إنه نزل قصراً غير حصين بين الصفين، فأشرف منه على الناس ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذ برُمَّته( )، فوالله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه( ).

- فزع رستم من الأذان:
لما نزل رستم النجف بعث منها عيناً إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ندَّ منهم، فرآهم يستاكون عند كل صلاة ثم يصلون، فيفترقون إلى موقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثت فيهم ليلة، لا والله ما رأيت أحداً منهم يأكل شيئاً إلا أن يمصوا عيداناً لهم حين يُمسون وحين ينامون وقبيل أن يصبحوا، فلما سار فنزل بين الحصن والعتيق( )، وافقهم وقد أذن مؤذن سعد الغداة فرآهم يتهيأون للنهوض، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا( ) لكم، قال عينه ذلك: إنما تحشحشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية وهذا تفسيره بالعربية: أتاني صوت عند الغداة، وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل( )، فلما عبروا تواقفوا وأذن مؤذن سعد للصلاة يعني صلاة الظهر فصلى سعد، وقال رستم: أكل عمر كبدي( ).
- رفع الروح المعنوية بين أفراد الجيش الإسلامي:
جمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجهاء المسلمين وقادته في بداية اليوم الأول من المعركة وقال لهم: انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق لهم عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم، وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتُهم، فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال، فساروا فيهم( ).

- فقال قيس بن هبيرة الأسدي: أيها الناس احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم له يزدكم، واذكروا آلاء الله، وارغبوا إليه في عاداته، فإن الجنة أو الغنيمة أمامكم، وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء، والأرض القفر، والظِّراب الخُشْن والفلوات التي لا تقطعها الأدلة.
- وقال غالب بن عبد الله الليثي: أيها الناس احمدوا الله على ما أبلاكم وسلوه يزدكم، وادعوه يحيكم، يا معشر معدّ، ما علّتكم اليوم وأنتم في حصونكم يعني الخيل ومعكم من لا يعصيكم يعني السيوف؟ اذكروا حديث الناس في غد، فإنه بكم غداً يبدأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى.
- وقال ابن الهذيل الأسدي: يا معشر معدّ، اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كالأسود الأجم، وتربَّدوا لهم تربُّد النمور وادرعوا العجاج، وثقوا بالله، وغضوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة فأرسلوا عليهم الجنادل فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه.
- وقال بسر بن أبي رهم الجهني: احمدوا الله وصدقوا قولكم بفعل، فقد حمدتم الله على ما هداكم له، ووحدتموه ولا إله غيره، وكبرتموه، وآمنتم بنبيه ورسله، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولا يكوننَّ شيء بأهون عليكم من الدنيا، فإنها تأتي من تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم لتميل بكم انصروا الله ينصركم.
- وقال عاصم بن عمرو: يا معشر العرب إنكم أعيان العرب وقد صمدتم لأعيان من العجم، وإنما تخاطرون بالجنة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنّ على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، لا تحدثوا اليوم أمراً تكونون شيئاً على العرب غداً.
- وقال ربيع بن البلاد السعدي: يا معشر العرب قاتلوا للدين والدنيا? وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ(133) ? (آل عمران،آية:133).
وإن عظم الشيطان عليكم الأمر فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل( ).
- وقال ربعي بن عامر: إن الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزيادة، وفي الصبر راحة، فعوِّدوا أنفسكم الصبر تعتادوه، ولا تعوّدوها الجزع فتعتادوه، وقد قال كلهم بنحو هذا الكلام، وتواثق الناس وتعاهدوا، واهتاجوا لكل ما كان ينبغي لهم( ).

1- يوم أرماث:
يطلق يوم أرماث على اليوم الأول من أيام القادسية وقد وجه سعد رضي الله عنه بيانه إلى الجيش قائلاً: الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئاً حتى تصلُّوا الظهر، فإذا صليتم الظهر فإني مكبِّر تكبيرة فكبروا واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يُعْطه أحد قبلكم، واعلموا أنّما أُعطيتموه تأييداً لكم، ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا، ولتسثتم عُدَتكم، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا:
لا حول ولا قوة إلا بالله( ).
ولما صلى سعد الظهر أمر الغلام الذي كان ألزمه إياه عمر وكان من القراء أن يقرأ سورة الجهاد (يعني الأنفال) فقرأ على الكتيبة الذي يلونه سورة الجهاد، فقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها( )، ولما فرغ القراء كبّر سعد، فكبَّر الذين يلونه بتكبيرة، وكبر بعض الناس بتكبير بعض، فتحشحش الناس (يعني تحركوا) ثم ننَّى فاستتمَّ الناس، ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج من أهل فارس أمثالهم فاعتوروا
الطعن والضرب( )، وكان لأبطال المسلمين من أمثال غالب بن عبد الله الأسدي، وعاصم بن عمرو التميمي وعمرو بن معديكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الأسدي أثر ظاهر في النكاية بالعدو حيث قتلوا وأسروا عدداً من أبطالهم ولم يقتل من المسلمين أحد فيما ذُكر أثناء المبارزة، والمبارزة في عسير من فنون الحرب
لا يتقنه إلا الأبطال من الرجال، وهي ترفع من شأن المنتصرين وتزيد من حماسهم، وتخفض من شأن المنهزمين وتحط من معنوياتهم، والمسلمون الأوائل متفوقون في هذا الفن على غيرهم دائماً، ولذلك هم المستفيدون من المبارزة( )، وبينما الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة إذ قام صاحب رجالة بني نهد قيس بن حذيم بن جرثومة، فقال: يا بني نهد انهدوا فإنما سميتم نهداً لتفعلوا، فبعث خالد بن عرفطة، والله لتكفنّ أو لأوليِّن عملك غيرك، فكفَّ( ).

- رستم يأمر جانباً من قواته بالهجوم:
ولما رأى رستم تفوق المسلمين في مجالي المبارزة والمطاردة لم يمهلهم حتى يكملوا خطة قائدهم في المزيد من حرب المطاردة والمبارزة بل أمر جانباً من قواته بأن تهجم هجوماً عاماً على جانب جيش المسلمين الذي فيه قبيلة بجيلة ومن لفَّ معهم، وكان الهجوم ملفتاً للنظر لأن الفرس وجهوا ما يقرب من نصف الجيش إلى قطاع لا يمثل إلا نسبة قليلة من الجيش الإسلامي، وهذا يدل على محاولتهم المستميتة لقطع حرب المبارزة والمطاردة التي فشلوا فيها، وهكذا هجم الفرس على أحد جناحي جيش المسلمين بثلاثة عشر فيلاً وكل فيل يصحبه حسب تنظيم جيشهم أربعة آلاف مقاتل من المشاة والفرسان، ففرقت الفيلة بين كتائب المسلمين وكان الهجوم مركزاً على بجيلة ومن حولهم وثبت المشاة من أهل المواقف لهجوم الفرس.

أ- سعد يأمر أسد بالذّب عن بجيلة:
أبصر سعد رضي الله الموقف الذي وقعت فيه بجيلة فأرسل إلى بني أسد يقول لهم: ذَبِّبُوا عن بجيلة ومن لافَّها من الناس، فخرج طليحة بن خويلد وحَمَّال بن مالك، وغالب بن عبد الله والرّبيِّل بن عمرو في كتائبهم، يقول المعرور بن سويد وشقيق: فشدُّوا والله عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم، فأخِّرت وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه، فما لبَّث طليحة أن قتله، ولما رأت فارس
ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد رموهم بحدِّهم وبدر المسلمين الشَّدَّة عليهم ذو الحاجب والجالينوس وهما قائدان من قادة الفرس والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة، وقد ثبتوا لهم، وقد كبَّر سعد الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد، وحملت الفيلةس من الميمنة والميسرة على خيول المسلمين، فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد، وتلح فرسانهم على المشاة ليدفعوا بالخيل لتُقدم على الفيلة.

ب- سعد يطلب من بني تميم حيلة للفيلة:
أرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي فقال: يا معشر تميم ألستم أصحاب الإبل والخيل؟ أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة، وآخرين لهم ثقافة يعني حذق وحركة فقال لهم: يا معشر الرماة ذُبُّوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل وقال: يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقطِّعوا وضُنُها يعني أحزمتها لتسقط توابيتها التي تحمل المقاتلين وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها يعني ما يعلق بها فقطعوا وضُنُها وارتفع عواء الفيلة فما بقي لهم يومئذ فيل إلا أُعْريَ، وقتل أصحابها، وتقابل الناس ونُفِّس عن أسد، ورَدُّوا فارس عنهم إلى مواقفهم فاقتتلوا حتى غربت الشمس، ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وأُصيب من أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردءاً للناس، وكان عاصم يعني وبني تميم عادية الناس وحاميتهم وهذا يومها الأول وهو يوم أرماث( ).



ج- موقف بطولي لطليحة بن خويلد
كان لأمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه تأثير على بني أسد، فقد قال طليحة بن خويلد يومئذ: يا عشيرتاه إن المنوّه باسمه الموثوق به، وإن هذا لو علم أن أحداً أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم، ابتدؤوهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة فإنما سُمِّيتم أسداً لتفعلوا فعله شدُّوا ولا تصدوا، وكُرُّوا ولا تفروا، لله در ربيعة أيُّ فري يفرون، وأيُّ قِرنٍ يغنون، هل يوصل إلى موقفهم فأغنوا عن مواقفكم أغناكم الله، شدوا عليهم باسم الله( )، وقد كان لهذا الكلام مفعول عجيب في نفوس قومه حيث تحولوا إلى طاقات فعالة، وتحملوا وحدهم رحى المعركة إلى أن ساندهم
بنو تميم، وقدموا في هذا اليوم خمسمائة شهيد( )، وقد تأثرت القبائل من بطولة بني أسد فقال الأشعث بن قيس الكندي: يا معشر كندة لله در بني أسد أي فر يفرون وأي هذٍّ يهذّون عن موقفهم? فتحول موقف كنده من الدفاع إلى الهجوم فأزالوا من أمامهم من المجوس وردُّوهم إلى الوراء( ).

د- ما قيل في الشعر في ذلك اليوم:
قال عمرو بن شأس الأسدي:
لقد عَلِمَتْ بنو أسد بأنا
وأنا النازلون بكل ثغر
ترى فينا الجياد مسوّمات
ترى فينا الجياد مُجلجِّات
بجمع مثل سلم مُكْفَهِر
بمثلهمُ تلاقي يوم هيج
نفينا فارساً عما أرادت
أولوا الأحلام إذ ذكروا الحُلوما( )
ولو لم نُلْفِه( ) إلا هشيماً
مع الأبطال يَعْلُكْنَ الشَّكيما
تُنَهْنِه عن فوارسها الخُصوما( )
تَشَبّهُهُم إذا اجتمعوا قروماً( )
إذا لاقيت بأساً أو خصوماً
وكانت لا تُحاول أن تَرِيما

هـ- مستشفى الحرب:
كان موقع مستشفى الحرب في العُذيب حيث تقيم نساء المجاهدين الصابرات المحتسبات، فيتلقين الجرحى ويتولين علاجهم وتمريضهم إلى أن يتم قضاء الله فيهم ومع ذلك فإن لهن مهمة أعجب من ذلك يشترك معهن فيها الصبيان ألا وهي حفر قبور الشهداء، ولئن كان تطييب الجرحى وتمريضهم من المهمات القريبة المنال للنساء فإن حفر الأرض من المهمات الخشنة، ولكن الرجال كانوا مشغولين بالجهاد، فلتقُم النساء بمهمتهم عند الضرورة، وهنَّ أهل لذلك لما يتصفن به من الإيمان والصبر( )، وقد تم نقل الشهداء إلى وادي مشرِّف بين العذيب وعين الشمس في جانبيه جميعاً( )، وكان التحاجز بين المسلمين وأعدائهم تلك الليلة فرصة لزيارة بعض المجاهدين لأهلهم في العذيب( ).

و- الخنساء بنت عمرو تحرض بنيها على القتال ليلة الهدأة:
في مضارب نساء المسلمين بالعذيب جلست الخنساء بنت عمرو شاعرة بني سليم المخضرمة ومعها بنوها أربعة رجال تعظهم وتحرضهم على القتال قالت: إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله تعالى:? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200) ? (آل عمران،آية:200). فإن أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وحللت تفجرت نار على أرواقها جوانبها فتيمموا وطيسها وسطها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها?جيشها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها فلما أضاء الصبح باكروا مراكزهم( ).

ز- امرأة من النخع تشجع بنيها على القتال:
كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القتال ذلك اليوم، فلما بدأ الصباح ينبلج قالت لهم: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثربوا( )،
ولم تَنْب( ) بكم البلاد تقحمكم السنة( )، ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس، والله إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فانصرفوا عنها مسرعين يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهي تقول: اللهم ادفع عن بنيّ، فرجعوا إليها بعد ذلك وقد أحسنوا القتال ما جرح منهم رجل جرحاً( ).
فهذا حال بعض النساء العجائز في اليوم الأول من القادسية.

2- يوم أغواث:
كان يوم أغواث هو اليوم الثاني من أيام القادسية، وفي ليلة هذا اليوم قدمت طليعة جيش الشام يقودهم القعقاع بن عمرو التميمي وقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قد أمر أمير الشام، أبا عبيدة بإعادة جيش خالد بن الوليد إلى العراق مدداً للمسلمين في القادسية، فأعادهم وأبقى خالداً عنده لحاجته إليه، وولَّى على هذا الجيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ابن أخي سعد وكان هذا الجيش تسعة آلاف حين قدم من العراق إلى الشام بقيادة خالد بن الوليد، وعاد منهم إلى العراق ستة آلاف، وقد ولَّى هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو على المقدمة وعددهم ألف مجاهد( ).


أ- مواقف بطولية للقعقاع بن عمرو:
أسرع القعقاع بمقدمته حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث، وكان أثناء قدومه قد فكر بعمل يرفع به من معنوية المسلمين فقسم جيشه إلى مائة قسم كل قسم مكوَّن من عشرة، وأمرهم بأن يقدموا اتباعاً كلما غاب منهم عشرة عن مدى إدراك البصر سرّحوا خلفهم عشرة، فقدم هو في العشرة الأوائل وصاروا يقدمون تباعاً كلما سرّح القعقاع بصره في الأفق فأبصر طائفة منهم كبَّر فكبر المسلمون، ونشطوا في قتال أعدائهم، وهذه خطة حربية ناجحة لرفع معنوية المقاتلين، فإن وصول ألف لا يعني مدداً كبيراً لجيش يبلغ ثلاثين ألفاً، ولكن هذا الابتكار الذي هدى الله القعقاع إليه قد عوض نقص هذا المدد بما قوّى به عزيمة المسلمين، وقد بشرهم بقدوم الجنود بقوله: يا أيها الناس إني قد جئتكم في قوم والله إن لو كانوا بمكانكم ثم أحسوكم حسدوكم حَظْوتها وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا، وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب( )، فقال له القعقاع: من أنت( )؟ فقال: أنا بهمن جاذويه. وهنا تذكّر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى يوم الجسر على يد هذا القائد فأخذته حميته الإسلامية فنادى وقال: يا لثارات
أبي عبيد وسُليط وأصحاب الجسر، ولابد أن هذا القائد الفارسي بالرغم مما اشتهر به من الشجاعة قد انخلع قلبه من هذا النداء، فلقد قال أبو بكر رضي الله عنه عن القعقاع: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل( )،فكيف سيثبت له رجل واحد مهما كان في الشجاعة وثبات القلب؟ ولذلك لم يمهله القعقاع أن أوقعه أمام جنده قتيلاً فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنوية المسلمين لأنه كان قائداً لعشرين ألف مقاتل من الفرس. ثم نادى القعقاع مرة أخرى من يبارز؟ فخرج إليه رجلان أحدهم البيرزان والآخر البندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان ابن الحارث أخو بني تميم اللات، فبارز القعقاع بيرزان( )، فقتله القعقاع وبارز ابن ظبيان بندوان وهو من أبطال الفرس فقتله ابن ظبيان وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة ولاشك أن ذلك أوقع الفرس في الحيرة والاضطراب وساهم ذلك في تدمير معنويات أفراد الجيش الفارسي، والتحم الفرسان من الفريقين، وجعل القعقاع يقول: يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنه يُحصد بها، فتواصى الناس بها، وأسرعوا إليهم بذلك فاجتلدوا بها حتى المساء، وذكر الرواة أن القعقاع حمل يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل حملة، وأصاب فيها وجعل يقول:


أُزعجهم عمداً بها إزعاجاً
أطعن طعناً صائباً ثجّاجاً

وكان آخر من قتل بُزرُ جَمهَرْ الهمذاني وقال في ذلك القعقاع:

حبوته جيَّاشةً بالنفس
في يوم أغواث فَلَيْلُ الفرس

هدّارة مثل شعاع الشمس
أنخس في القوم أشد النخس

ب- علباء بن جحش العجلي: انتثرت أمعاؤه في المعركة:
وبرز رجل من المجوس أمام صفوف بكر بن وائل فنادى من يبارز؟ فخرج له علباء بن جحش العجلي فنفحه( )، علباء في صدره وشقَّ رئته ونفحه الآخر فأصابه في بطنه وانتثرت أمعاؤه وسقطا معاً إلى الأرض، أما المجوسي فمات من ساعته، وأما علباء فلم يستطع القيام وحاول أن يعيد أمعاءه إلى مكانها فلم يتأت له ومرّ به رجل من المسلمين فقال له علباء: يا هذا أعني على بطني، فأدخل له أمعاءه فأخذ بصفاقيه ثم زحف نحو صف العجم دون أن يلتفت إلى المسلمين وراءه فأدركه الموت على ثلاثين ذراعاً من مصرعه وهو يقول:
أرجوا بها من ربنا ثواباً
قد كنت ممن أحسن الضراباً

ج- الأعرف بن الأعلم العُقَيلي:
خرج رجل من أهل فارس ينادي من يبارز؟ فبرز له الأعرف بن الأعلم العُقَيلي فقتله، ثم برز له آخر فقتله، وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه، وندر سلاحه عنه فأخذوه، فغبَّر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه( ).

د- مواقف فدائية لأبناء الخنساء الأربعة:
كان لأبناء الخنساء الأربعة مواقف فدائية في ذلك اليوم فقد اندفعوا إلى القتال بحماس وقال كل واحد منهم شعراً حماسياً يقوِّي به نفسه وإخوانه فقال أولهم:

يا إخوتي إن العجوز الناصحة
مقالةً ذات بيان واضحة
وإنما تلقون عند الصائحة
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة
قد نصحَتْنا إذ دعتنا البارحة
فباكروا الحرب الضَّروس الكالحة
من آل ساسان الكلاب النابحة
وأنتم بين حياة وحياة صالحة

وتقدم فقاتل حتى قتل، فحمل الثاني وهو يقول:

إن العجوز ذات حزم وجلد
قد أمرتنا بالسداد والرّشد
فباكروا الحرب حماة في العدد
أو ميتة تورثكم عز الأبد
والنظر الأوفق والرأي السَّدد
نصيحة منها وبرّاً بالولد
إما لفوز بارد على الكبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد

وقاتل حتى استشهد. وحمل الثالث وهو يقول:
والله لا نعصي العجوز حرفاً
نصحاً وبراً صادقاً ولطفاً
حتى تلفوا آل كسرى لفا
إنا نرى التقصير عنكم ضعفاً
قد أمرتنا حدباً وعطفاً
فبادروا الحرب الضروس زحفاً
أو يكشفوكم عن حماكم كشفاً
والقتل فيكم نجدة وزُلفى


وقاتل حتى استشهد، وحمل الرابع وهو يقول:

لست لخنساء ولا للأخْرَمِ
إن لم أرِدْ في الجيش جيش الأعجم
إما لفوز عاجل ومغنم
ولا لعمرو ذي السناء الأقدم
ماض على الهول خضمِّ خضرم
أو لوفاة في السبيل الأكرم


فقاتل حتى استشهد( ) وبلغ الخنساء خبر بنيها الأربعة فقالت: الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته( ).


س- مكيدة قعقاعية بالغة التأثير على الفرس:
في هذا اليوم يوم أغواث قام القعقاع بن عمرو وبنو عمه من تميم بمكيدة قعقاعية بالغة التأثير على الفرس، وذلك أنه لما علم بما فعلته الفيلة في اليوم الأول بخيول المسلمين قام هو وقومه بتوفيق من الله تعالى بتهيئة الإبل لتظهر في مظهر مخيف يُنَصِّر الخيول فألبسوها وحلَّلوها ووضعوا لها البراقع في وجوهها، وحملوا عليها المشاة وأحاطوها بالخيول لحمايتها، وهجموا بها على خيول الفرس، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلوا بالمسلمين يوم أرماث، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم وركبتهم خيول المسلمين، فلما رأى ذلك الناس استنُّوا بهم، فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث( )، وهكذا نجد أن المسلمين الأوائل يتفوقون على أعدائهم في الابتكار الحربي، فالفرس أنهكوا المسلمين في اليوم الأول بسبب استخدام الفيلة، وما دام المسلمون
لا يملكون الفيلة فليخترعوا مما يملكون من الإبل ما يكيدون به الأعداء فكانت هذه الحيلة الحربية الممتازة التي أخافت خيول الأعداء فنفرت بمن عليها من الفرسان، وهكذا يجب أن يكون المسلمون متفوقين في مجال الإعداد المادي بعد تفوقهم في الإعداد الروحي.

ش- أبو محجن الثقفي في قلب المعركة:
استمر القتال يوم أغواث إلى منتصف الليل، وسميت تلك الليلة ليلة السواد، ثم وقف القتال بعد أن تحاجز الفريقان وكان لوقف القتال منفعة كبيرة للمسلمين، حيث كانوا ينقلون شهداءهم إلى مقر دفنهم في وادي مُشرِّق، وينقلون الجرحى إلى العُذَيب حيث تقوم النساء بتمريضهم، ولقد شارك في القتال في هذه الليلة لأول مرة أبو محجن الثقفي( )، وكان أبو محجن قد حُبس وقُيّد، فهو في القصر، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره وردّه فنزل فأتى سلْمى بنت خَصَفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خَصفة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلِّين عنِّي وتُعيرينني البلقاء، فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قَيْدي، فقالت، وما أنا وذاك! فرجع يرسف في قيوده ويقول:
كفى حزناً أن تَرْدِىَ الخيلُ بالقنا( )
إذا قُمتُ عنَّاني الحديدُ وأُغلقت
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة
ولله عهدٌ لا أخيسُ بعهده
وأترك مشدوداً عليَّ وثاقيا
مصارع دوني قد تصمُّ المُناديا
فقد تركوني واحداً لا أخاليا
لئن فُرجَتْ ألاَّ أزور الحوانيا


فقالت سَلْمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته وقالت: أمّا الفَرَس فلا أعيره، ورجعت إلى بيتها، فاقتادها، فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها، ثم دبّ عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة كبَّر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصّفَّين، فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم عُزْياً، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبَّر وحمل على ميمنة القوم يلعب الصّفَّين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فندر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصّفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفاً منكراً وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النَّهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مُكِبّ من فوق القصر: والله لولا محبس أبي مِحْجَن لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء، وتعددت الأقوال فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محْجن حتى دخل من حيث خرج، وعاد رجليه في قيديه وقال:
لقد علمت ثقيف غير فخر
وأكثرهم دروعاً سابغات
وأنّا وفدهم في كل يوم
وليلة قادس لم يشعروا بي
فإن أُحبس فذلكم بلائي
بأنا نحن أكرمَهُم سُيُوفاً
وأصبرهم إذا كَرهوا الوُقوفا
فإن عَميُوا فسل بهمُ عَريفاً
ولم أشعر بمخرجي الزُّحُوفا
وإن أترك أذيقُهُهُم الحُتوفا

فقالت له سلمى: يا أبا محْجَن، في أي شيء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما والله
ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحياناً، فيساء لذلك ثنائي، ولذلك حبسني قلت:

إذا متُّ فادْفنِّي إلى أصل كَرْمَةُ
ولا تدفنِّي بالفلاة فإنني
وتُروي بخمر الحُصِّ لَحدي فإنني
تُرَويِّ عظامي بعد موتي عُرُوقها
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
أسيرُ لها من بعد ما قد أسوقُها

فلما أصبحت سلمى أخبرت سعد بن أبي وقاص عن خبرها وخبر أبي محجن، فدعا به فأطلقه، وقال: أذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم
لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً( ).

ص- خطة قعقاعية في النصف الأخير من ليلة السواد:
من أبرز ما جرى من نصف ليلة السواد الأخير أن القعقاع بن عمرو اغتنم الفرصة في التخطيط لخطة يرفع بها من معنويات المسلمين في يومهم القادم، فلقد أمر أتباعه بأن يتسللوا سراً ثم يقدموا في النهار تباعاً على فرق كل فرقة مائة مقاتل، وقال لهم: إذا طلعت لكم الشمس فأقبلوا مائة مائة، كلما توارى عنكم مائة فليتبعها مائة، فإن جاء هاشم فذاك، وإلا جددتم للناس رجاء وجدَّاً فلما ذرَّ قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل وطلعت نواصيها كبَّر وكبر الناس وقالوا: جاء المدد، وقد تأسَّي به أخوه عاصم بن عمرو فأمر قومه أن يصنعوا مثل ذلك فأقبلوا من جهة (خفَّان)، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم بن عتبة في سبعمائة من جيش الشام، فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يوميه، فعبَّأ أصحابه سبعين سبعين، فلما جاء آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه( )، وهنا يلاحظ الباحث تواضع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فلقد قبل الأخذ بالرأي الأمثل في التخطيط الحربي فصنع بتفريق جيشه كما صنع القعقاع بن عمرو، ولم يمنع اعتبار النفس والمنصب من أن يأخذ برأي قائد من قواده، بل كان رجلاً من الرجال الذين تخرجوا من مدرسة التربية النبوية، فأصبحوا يلغون ذواتهم ومصالحهم الخاصة في سبيل مصلحة الإسلام ومصلحة المسلمين العامة، وهذا من أهم أسباب نجاحهم في إقامة الدولة الإسلامية الكبرى، والقضاء على قوى العالم آنذاك( ).

 


احمد_الدليمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-12-19, 01:48 AM   #38
الملف الشخصي للعضو

:: عضو برونزي ::

 
الصورة الرمزية احمد_الدليمي

معلومات إضافية للعضو
 
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 377650
الدولة: دولة الكويت
المشاركات: 827
بمعدل : 0.36 يوميا
المواضيع :
الردود :
Rep Power: 136309047
احمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزه

العضو : احمد_الدليمي المنتدى : قسم نصرة رسول الله والسيره العطره

3- يوم عماس:
هذا اليوم الثالث، يوم عِمَاس فقد قدَّم الفرس فيه فيلتهم بتخطيط جديد تلافوا به ما كان في اليوم الأول من قطع حبالهم، فجعلوا مع كل فيل رجالاً يحمونه ومع الرجال فرسان يحمونهم وظل المسلمون يقاتلون الفيلة ومن فوقها وحولها، ولقوا منها عنتاً شديداً، ولما رأى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ما يلاقي المسلمون منها أرسل إلى مسلمي الفرس الذين كانوا مع جيش المسلمين سألهم عن الفيلة هل لها مقاتل؟ فقالوا: نعم المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها، فأرسل إلى القعقاع وعاصم بن عمرو وقال لهما: اكفياني الفيل الأبيض وكانت كلها آلفة له وكان بإزائها وأرسل إلى حمَّال بن مالك والربِّيِّل بن عمرو الأسدي فقال: اكفياني الفيل الأجرب، وكانت آلفة كلها وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رُمحَيهما ودبَّا إليه في كتيبة من الفرسان والرجال، فقالا لمن معهما: اكتنفوه لتحيروه فأصبح الفيل ينظر يمنة ويسرة متحيراً ممن حوله، ودنا منه القعقاع وعاصم فحملا عليه وهو متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معاً في عين الفيل الأبيض، ونفض رأسه فطرح سائسه، ودلَّى مشفره، فنفحه القعقاع بسيفه فرمى به، ووقع لجنبه فقتل من كان عليه. وحمل حمّال بن مالك وقال للرِّبيِّل بن عمرو: اختر إما أن تضرب المشفر، وأطعن في عينه أو تطعن في عينه وأضرب مشفره، فاختار الضرب، فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه لا يخاف سائسه إلا على بطانه وذلك لأن المسلمين قطعوا ذلك منها في اليوم الأول فانفرد به أولئك فطعنه حمّال في عينه فأقعى على خلفه، ثم استوى، ونفحه الربيل بن عمرو فأبان مشفره، وبصُر به سائسه فضرب جبينه وأنفه بحديده كانت معه وأفلت منها الربيل وحمال، وصاح الفيلان صياح الخنزير، وكانت الفيلة تابعة لهما فرجعت على الفرس ورجعت معها الفيلة تطأ جيش الفرس حتى قطعت نهر العتيق وولَّت نحو المدائن وهلك من كان عليها( ) ولما خلا الميدان من الفيلة زحف الناس بعضهم على بعض واشتد القتال بينهم، وكان لدى الفرس جيش احتياطي من أهل النجدات والبأس، فكلما وقع خلل في جيشهم، أبلغوا (يزدجرد) فأرسل لهم من هؤلاء وقد انتهى ذلك اليوم والمسلمون وأعداؤهم على السواء( ).

أ- بطولة عمرو بن معديكرب:
قال عمرو بن معديكرب: إني حامل على الفيل ومن حوله بإزائهم فلا تَدَعوني أكثر من جز جزور (يعني نحر الناقة) فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، فأنَّى لكم مثل أبي ثور فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف، فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار، فقال أصحابه: ما تنظرون؟ ما أنتم بخلقاء أن تدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم، فحملوا حملة فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه وطعنوه وإن سيفه لفي يده يضاربهم وقد طعن فرسه، فلما رأى أصحابه وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس من أهل فارس، فحركه الفارسي فاضطرب الفرس فالتفت الفارسي إلى عمرو، فهمَّ به وأبصره المسلمون، فغشُوه، فنزل عنه الفارسي، وحاضر يعني أسرع إلى أصحابه، فقال عمرو: أمكنوني من لجامه، فأمكنوه منه فركبه( ).

ب- طليحة بن خويلد الأسدي:
استمر القتال في اليوم الثالث إلى الليل، ثم حجز بينهم صوت طليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد التف وراء جيش الفرس، ففزع لذلك الفرس وتعجب المسلمون، فكف بعضهم عن بعض للنظر في ذلك، وكان سعد رضي الله عنه قد بعثه مع أناس لحراسة مكان يحتمل منه الخطر على المسلمين، فتجاوز مهمته، ودار من خلف الفرس وكبَّر ثلاث تكبيرات( )، ولقد أفادت حركته هذه حيث توقفت الحرب وكان هناك فرصة لإعادة الصفوف والاستعداد لقتال الليل.

ج- قيس بن المكشوح:
يا معشر العرب، إن الله قد من عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد ?، فأصبحتم بنعمة الله إخواناً، دعوتكم واحدة، وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، ويختطف بعضكم بعضاً اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجزوا من الله فتح فارس، فإن إخوانكم من أهل الشام قد أنجز الله لهم فتح الشام وانتشال( )، القصور الحمر والحصون الحمر( ).

د- مما قيل من الشعر ذلك اليوم:
قال القعقاع بن عمرو:

حضَّض قومي مَضْرَحيُّ بن يعمر
وما خام عنها يوم سارت جموعُنا
فإن كنتُ قاتلتُ العدوَّ فَلَلْته
فيولاً أراها كالبُيوت مُغيرة
فلله قومي حين هزُّوا العواليا
لأهل قُديس يمنعون المواليا
فإني لألقى في الحروب الدّواهيا
أُسَمِّلُ أعياناً لها ومآقيا( )


وقال آخر:
أنا ابن حرب ومعي مخراقي
إذ كره الموت أبو إسحاق
أضربهم بصارم رقراق
وجاشت النفس على التراقي

س- ليلة الهرير:
بدأ القتال ليلة الهرير في اليوم الرابع، وقد غيّر الفرس هذه الليلة طريقتهم في القتال، فقد أدرك رستم أن جيشه لا يصل إلى مستوى فرسان المسلمين في المطاردة ولا يقاربهم، فعزم على أن يكون القتال زحفاً بجميع الجيش حتى يتفادى الانتكاسات السابقة التي تسببت في تحطيم معنويات جيشه، فلم يخرج أحد من الفرس للمبارزة والمطاردة بعدما انبعث لذلك أبطال المسلمين، وجعل رستم جيشه ثلاثة عشر صفاً في القلب والمجنَّبتين وبدأ القعقاع بن عمرو القتال وتبعه أهل النجدة والشجاعة قبل أن يكبر سعد، فسمح لهم بذلك واستغفر لهم، فلما كبر ثلاثاً زحف القادة وسائر الجيش، وكانوا ثلاثة صفوف، صفاً فيه الرماة وصفاً فيه الفرسان وصفاً فيه المشاة، وكان القتال في تلك الليلة عنيفاً، وقد اجتلدوا من أول الليل حتى الصباح لا ينطقون، كلامهم الهرير، فسمّيت ليلة الهرير، وقد أوصى المسلمون بعضهم بعضاً على بذل الجهد في القتال لما يتوقعونه من عنف الصراع، ومما رُوي من الأقوال في ذلك( ) ما قاله كل من:

- دريد بن كعب النخعي قال لقومه: إن المسلمين تهيئوا للمزاحفة فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، نافسوهم في الشهادة وطيبوا بالموت نفساً، فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة ما أردتم.
- وقال الأشعث بن قيس: يا معشر العرب إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت ولا أسخى أنفساً عن الدنيا، تنافسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزعوا من القتل فإنه أماني الكرام ومنايا الشهداء( ).

- وقال حميضة ين النعمان البارقي: كان بإزاء قبيلة (جُعْفى) ليلة الهرير كتيبة من كتائب العجم عليهم السلاح التام، فازدلفوا لهم فجالدوهم بالسيوف، فرأوا أن السيوف لا تعمل مع الحديد فارتدعوا، فقال لهم حميضة بن النعمان البارقي: مالكم؟ قالوا لا يجوز فيهم السلاح، قال: كما أنتم حتى أريكم، انظروا، فحمل على رجل منهم فاستدار خلفه فدق ظهره بالرمح ثم التفت إلى أصحابه فقال:
ما أراهم إلا يموتون دونكم، فحملوا عليهم وأزالوهم إلى صفهم( ).
وكان بإزاء قبيلة كندة، ترك الطبري (أحد قادة الفرس) فقال الأشعث بن قيس الكندي: ياقوم ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمائة فأزالهم وقتل قائدهم، ترك وكان القتال في تلك الليلة شديداً متواصلاً وقام زعماء القبائل يحثون قبائلهم على الثبات والصبر، ومما يبين عنف القتال في تلك الليلة، ما أخرجه الطبري عن أنس بن الحليس قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغاً وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد، وأقبل سعد على الدعاء حتى إذا كان نصف الليل الباقي سمع القعقاع بن عمرو وهو يقول:
نحن قتلنا معشراً وزائداً
نحسب فوق اللّبد الأساودا( )
أربعة وخمسة وواحداً
حتى إذا ماتوا دعوت جاهداً

الله ربي واحترست عامداً( )

فاستدل سعد بذلك على الفتح، وهكذا بات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يدعو الله تعالى تلك الليلة ويستنزل نصره، ومما ينبغي الإشارة إليه أن سعداً كان مستجاب الدعوة( ).

4- يوم القادسية:
أصبح المسلمون في اليوم الرابع وهم يقاتلون، فسار القعقاع بن عمرو في الناس فقال: إن الدَّبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر، فآثروا الصبر على الجزع، فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح ولما رأت ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث والأشعث بن قيس، وعمرو بن معد يكرب وابن ذي السَّهمين الخشعمي وابن ذي البُردين الهلالي، فقالوا: لا يكونن هؤلاء (يعني أهل فارس) أجرأ على الموت منكم، ولا أسخى أنفساً عن الدنيا، وقام في ربيعة رجال فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم( )، وهكذا يضيف القعقاع بن عمرو مأثرة جديدة في مآثره الكثيرة فقد جمع الله له بين الشجاعة النادرة، والرأي السديد وقوة الإيمان، فسخر ذلك كله لنصرة الإسلام والمسلمين، وكان قدومه في هذه المعركة فتحاً للمسلمين، لقد أدرك القعقاع أن الأعداء قد نفد صبرهم بعد قتال استمر يوماً وليلة دون انقطاع، وقبل ذلك لمدة يومين مع راحة قليلة، وعرف بثاقب فكره وطول تجربته -بعد توفيق الله له- أن عاقبة المعركة مع من صبر بعد هذا الإجهاد الطويل، واستطاع القعقاع ومن معه من الأبطال أن يفتحوا ثغرة عميقة في قلب الجيش الفارسي حتى وصلوا قريباً من رستم مع الظهيرة، وهنا تنزّل نصر الله تعالى، وأمدَّ أولياءه بجنود من عنده فهبَّت ريح عاصف وهي الدَّبور، فاقتلعت طيارة رستم عن سريره، وألقتها في نهر العتيق، ومال الغبار على الفرس فعاقهم عن الدفاع( ).


أ- مقتل رستم قائد الفرس:
وتقدم القعقاع ومن معه حتى عثروا على سرير رستم وهم لا يرونه من الغبار، وكان رستم قد تركه واستظل ببغل فوقع على رستم وهو لا يشعر به فأزال من ظهره فقاراً، وهرب رستم نحو نهر العتيق لينجو بنفسه ولكن هلالاً أدركه فأمسك برجله وسحبه ثم قتله، وصعد السرير ثم نادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ، فأطافوا به وما يرون السرير وكبَّروا وتنادوا، وانهزم قلب الفرس، أما بقية قادة المسلمين فإنهم تقدموا أيضاً فيمن يقابلهم وتقهقر الفرس أمامهم، ولما علم الجالينوس بمقتل رستم قام على الرّدم المُقام على النهر ونادى أهل فارس إلى العبور فراراً من القتل فعبروا، أما المقترنون بالسلاسل وعددهم ثلاثون ألفاً فإنهم تهافتوا في نهر العتيق فوخزهم المسلمون برماحهم، فما أفلت منهم أحد( ).

ب- نهاية المعركة:
انتهت المعركة بتوفيق الله تعالى، ثم بجهود أبطال المسلمين وحكمة قائدهم سعد بن أبي وقاص، وكانت معركة عنيفة قاسية ثبت فيها الأعداء للمسلمين ثلاثة أيام حتى هزمهم الله في اليوم الرابع، بينما كان المسلمون يهزمون أعداءهم غالباً في يوم واحد، وكان من أسباب هذا الثبات أن الفرس كانوا يعتبرون هذه المعركة معركة مصير، فإما أن تبقى دولتهم مع الانتصار، وإما أن تزول دولتهم مع الهزيمة والاندحار ولا تقوم لهم قائمة، كما أن من أسباب ثباتهم وجود أكبر قادتهم رستم، على رأس القيادة، وهو قائد له تاريخ حافل بالانتصارات على أعدائه إضافة إلى تفوق الفرس في العدد والعُدد، حيث كان عدد الفرس عشرين ومائة ألف من المقاتلين من غير الأتباع، مع من كان يبعثهم يزدجرد مدداً كل يوم بينما كان عدد المسلمين بضعة وثلاثين ألفاً( )، ومع هذا كله انتصر المسلمون عليهم بعد أن قدموا ثمانية آلاف وخمسمائة من الشهداء( )، وهذا العدد من الشهداء هو أكبر عدد قدمه المسلمون في معاركهم في الفتوح الإسلامية الأولى، وكونهم قدموا هذا العدد من الشهداء دليل على عنف المعركة وعلى استبسال المسلمين وتعرضهم للشهادة رضي الله عنهم أجمعين( ).

ج- مطاردة فلول المنهزمين:
أمر سعد رضي الله عنه بمطاردة فلول المنهزمين فوكل القعقاع ابن عمرو وشرحبيل بن السمط الكندي بمطاردة المنهزمين يميناً وشمالاً دون نهر العتيق، وأمر زُهرة بن الحوية بمطاردة الذين عبروا النهر مع قادتهم، وكان الفرس قد بثقوا النهر في الردم حتى لا يستطيع المسلمون متابعتهم، فاستطاع زهرة وثلاثمائة فارس أن ليتجاوزوا بخيولهم وأمر من لا يستطيع بموافاتهم من طريق القنطرة، وكان أبعد قليلاً، ثم أدركوا القوم وكان الجالينوس وهو أحد قادتهم الكبار يسير في ساقة القوم يحميهم، فأدركه زهرة فنازله فاختلفا ضربتين فقتله زهرة وأخذ سلبه وطاردوا الفرس وقتلوا منهم، ثم أمسوا في القادسية مع المسلمين( ).

س- بشائر النصر تصل إلى عمر رضي الله عنه:
وكتب سعد إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما يخبره بالفتح مع سعد بن عُميْلة الفزاري وجاء في كتابه: أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كانوا قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعُدة لم ير الراؤون مثل زهائها (يعني مقدارها) فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام، وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم، والله بهم عالم، كانوا يُدَوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دَويَّ النحل، وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم( )، وفي هذه الرسالة دروس وعبر منها:

• ما تحلى به سعد رضي الله عنه من توحيد الله تعالى وتعظيمه والبراءة من حول النفوس وقوتها، فالنصر على الأعداء إنما هو من الله تعالى وحده وليس بقوة المسلمين، بالرغم مما بذلوه من الجهاد المضني والتضحية العالية.

• وقوة الأعداء الضخمة، ليس بقاؤها أو سلبها للبشر، بل ذلك كله لله تعالى، فهو الذي حرم الأعداء من الانتفاع بقوتهم، وهو الذي منحها للمسلمين، وإنما البشر مجرد وسائط يجري الله النفع والضرر على أيديهم، وهو وحده الذي يستطيع دفع الضرر وجلب المنفعة سبحانه وتعالى، وهكذا فهم سعد رضي الله عنه معنى التوحيد، وحققه مع جنوده في حياته.

• ونلاحظ سعداً في رسالته يصف الصحابة رضي الله عنهم ومن معهم من التابعين بالتفوق في العبادة والشجاعة، فهم عُبَّاد في الليل لهم أصوات مدوِّية بالقرآن كأصوات النحل لا تكلُّ ولا تمل، وفرسان في النهار لا تصل الأسود الضارية إلى مستواهم في الإقدام والثبات( ) وكان عمر رضي الله عنه يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله ومنزله، فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني قال: هَزم الله العدو، وعمر يخُبُّ معه –يعني يسرع- ويستخبره، والآخر على ناقته ولا يعرفه، حتى دخل المدينة فإذا الناس يسلِّمون عليه بإمرة المؤمنين فقال: فهلا أخبرتني رحمك الله أنك أمير المؤمنين، وجعل عمر يقول لا عليك يا أخي( ) وفي هذا الخبر دروس وعبر منها:

- الاهتمام الكبير من عمر رضي الله عنه الذي دفعه إلى أن يخرج إلى البرِّية كل يوم لعله يجد الركبان القادمين من العراق فيسألهم عن خبر المسلمين مع أعدائهم، وقد كان بإمكانه أن يوكل بهذه المهمة غيره ممن يأتيه بالخبر ولكن الهمَّ الكبير الذي كان يحمله للمسلمين لا يتيح له أن يفعل ذلك، وهنا منتهى الرحمة والشعور بالمسؤولية.

- التواضع الجمِّ من عمر رضي الله عنه، فقد ظل يسير ماشياً مع الراكب، ويطلب منه خبر المعركة، وذلك الرسول لا يريد أن يخبره بالتفاصيل حتى يصل إلى
أمير المؤمنين، ولا يدري أنه الذي يخاطبه ويعدو معه، حتى عرف ذلك من الناس في المدينة وهذه أخلاق رفيعة يحق للمسلمين أن يفاخروا بها العالم في تاريخهم الطويل، وأن يستدلوا بها على عظمة هذا الدين الذي أنجب رجالاً مثل عمر في عدله ورحمته وحزمه وتواضعه( ).

خامساً: دروس وعبر وفوائد:

1- تاريخ المعركة وأثرها في حركة الفتوحات:
اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ المعركة وللأستاذ أحمد عادل كمال تحقيق جيد توصل فيه إلى أنها في شهر شعبان من العام الخامس عشر( )، وهذا القول أميل إليه، ولا شك أن القادسية تقع على قمة قائمة المعارك الحاسمة في تاريخ العالم فهي تبين أنواعاً من التمكين الرباني لأهل الإيمان الصحيح، فقد انفتحت على آثارها أبواب العراق، ومن وراء العراق فارس كلها، وهي التي من عندها استطرد نصر المسلمين، فاستطرد معه السقوط الساساني من الناحيتين الحربية والسياسية، والسقوط المجوسي من الناحية الدينية العقائدية، ومن هنا انساح دين الإسلام في بلاد فارس وما وراءها، ففي القادسية كسر المسلمون شوكة المجوس كسرة لم ينجبر شأنهُم بعدها أبداً، وبهذا استحقت القادسية مكانها على قمة المعارك الحاسمة في تاريخ البشر( ).
2- خطبة عمرية بعد فتح القادسية:
لما أتى عمر رضي الله عنه خبر الفتح قام في الناس فقرأ عليهم الفتح، وقال: إني حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك منا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عُرض عليَّ الأمانة، فإن أبيتها (يعني أعففت نفسي من أموال الرعية) ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتها إلى بيتي شقيت، ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب( ).

3- الوفاء عند المسلمين، والعدل لا رخصة فيه:
كتب سعد رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين رضي الله عنهما كتاباً آخر، يطلب فيه أمره في أهل الذمة من عرب العراق الذين نقضوا عهدهم في حال ضعف المسلمين فقام عمر رضي الله عنه في الناس فقال: إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة أصاب أمره وظفر بحظه، وذلك بأن الله عز وجل يقول: ?وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ? (الكهف،آية:49)، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئاً ولم يجل، وفيمن استسلم؟ فاجتمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف ولم يزده غلبه إلا خيراً، وأن من ادعى فصُدِّق أو وفى فمنزلتهم، وإن كُذِّب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إليهم فإن شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا تموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال، وأن يُخَيَّروا من أقام واستسلم الجزاء إلاّ القتال، وأن يخيّروا من أقام واستسلم الجزاء أو الجلاء وكذلك الفلاحين( ).
وفي هذه الخطبة دروس وعبر منها:

- تطبيق عمر رضي الله عنه مبدأ الشورى حيث كان يستشير أهل الرأي في كل أموره المهمة بالرغم مما عرف عنه من غزارة العلم وسداد الرأي، وإن هذا السلوك الرفيع كان من أسباب نجاحه الكبير في سياسة الأمة.

- الاستفادة من هذه المقدمة التي قدمها عمر رضي الله عنه بين يدي استشارته حيث ذكر الصحابة رضي الله عنهم بلزوم التجرد من الهوى وإخلاص النية لله عز وجل، والاستقامة على المنهج القويم الذي سنه رسول الله ?، فمن فعل ذلك عصم من الذل في الحكم وأصاب الحق وظفر بثواب الله تعالى( )، وقد لخص عمر رضي الله عنه هذه المشورة بخطاب وجّهه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه جاء فيه: أما بعد فإن الله جل وعلا أنزل في كل شيء رخصة في بعض الحالات إلا في أمرين: العدل في السيرة والذكر، فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة، ولم يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل – وإن رئي ليناً – فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وإن رئي شديداً فهو أنكش للفكر، فمن تم على عهده من أهل السواد – يعني عرب العراق – ولم يُعِنْ عليكم بشيء فلهم الذمة وعليهم الجزية، وأما من ادعى أنه استُكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض فلا تصدقوهم بذلك إلا أن تشاءوا، وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم، وأبلغوهم مأمنهم( )،وفي هذا الرد دروس وعبر منها؛ أن العدل في الحكم هو الدعامة الكبرى لبقاء حكم الإسلام وسيادته وانتشار الأمن والرخاء في بلاد المسلمين، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فلا مفر من العقاب للظالمين، لأن حقوق الله تعالى قد يغفرها لعبده ويتجاوز عنه، أما حقوق الناس فإن الله تعالى يوقف الظالمين والمظلومين يوم القيامة فيقتصّ بعضهم من بعض وأما ذكر الله تعالى فلا بد أن يسود حياة المسلم في قلبه ولسانه وجوارحه، فيكون تفكيره خالصاً لله تعالى، ومنطقه فيما يرضيه وعمله من أجله، ويكون همه الأكبر إقامة ذكر الله جل وعلا في الأرض قولاً وعملاً واعتقاداً فإذا كان كذلك عصمه الله سبحانه من فتنة الشبهات والشهوات وقد أخذ سعد ومن معه من المسلمين بتوجيهات أمير المؤمنين فعرضوا على من حولهم ممن جلا عن بلاده أن يرجعوا ولهم الذمة وعليهم الجزية، وهكذا نجد أمامنا نموذجاً من نماذج الرحمة وتأليف القلوب، وقد أثرت هذه المعاملة الكريمة وحبَّبت المسلمين والإسلام لهؤلاء الناكثين فدخلوا بعد ذلك على مراحل في الإسلام وصاروا من اتباعه المخلصين( ).

4- الخمس في القادسية رده عمر علي المقاتلين وحسن مكافأته للبارزين:
أمر عمر رضي الله عنه في القادسية برد الخمس على المقاتلين، ونفذ سعد أمر الخليفة، وكان اجتهاد عمر هنا بارعاً كبراعة اجتهاده في ترك أراضي السواد بيد أصحابها، فقد رأى تمشياً مع المصلحة العليا للدولة أن يوزع الخمس على المجاهدين تشجيعاً لهم وتوسعة عليهم واعترافاً بجهودهم( )، وقد أرسل عمر إلى سعد أربعة أسياف، وأربعة أفراس يعطيها مكافأة لمن انتهى إليه البلاء في حرب العراق، فقلد الأسياف لأربعة؛ ثلاثة من بني أسد وهم: حمّال بن مالك، والربيل بن عمرو بن ربيعة الواليين، وطليحة بن خويلد، والرابع لعاصم بن عمرو التميمي، وأعطى الأفراس: واحدة للقعقاع بن عمرو التميمي، والثلاثة لليربوعيين مكافأة لهم على واقعة عشية أغواث( )، وهذه من الوسائل العمرية في تفجير طاقات المجاهدين وتحفيز همم المسلمين نحو المعالي والأهداف السامية والمقاصد النبيلة.

5- عمر يرد اعتبار زهرة بن الحوية:
عاد زهرة من مطاردته لفلول الفرس وبعد أن قتل جالنوس أحد قادة الفرس، فأخذ زهرة سلبه وتدرع بما كان على جالنوس فعرفه الأسرى الذين كانوا عند سعد وقالوا: هذا سلب جالنوس. فقال له سعد: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: الله. وكان زهرة يومئذ شاباً له ذؤابة وقد سُوِّد في الجاهلية وحسن بلاؤه في الإسلام، وغضب سعد أن تسرع زهرة فلبس ما كان على جالنوس واستكثره عليه فنزعه عليه وقال: ألا انتظرت إذني؟( ) ووصل الخبر إلى عمر، فأرسل إلى سعد: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثل ما صلى به، وقد بقي عليك من حربك ما بقي – تكسر قرنه، وتفسد قلبه؛ امض له سلبه، وفضله على أصحابه عند العطاء بخمسمائة، وإني قد نفلت كل من قتل رجلاً سلبه،
فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفاً( ).
وبهذا ردَّ عمر إلى زهرة اعتباره( ).
6- استشهاد المؤذن وتنافس المسلمين على الأذان:
في نهاية معركة القادسية حدث أمر عجيب يدل على مقدار اهتمام المسلمين الأوائل بأمور دينهم وما يقربهم إلى الله تعالى، فقد قتل مؤذن المسلمين في ذلك اليوم وحضر وقت الصلاة، فتنافس المسلمون على الأذان حتى كادوا أن يقتتلوا بالسيوف، فأقرع بينهم سعد، فخرج سهم رجل فأذن( )، وإن التنافس على هذا العمل الصالح ليدل على قوة الإيمان، فإن الأذان ليس من ورائه مكاسب دنيوية ولا جاه ولا شهرة وإنما دفعهم إلى التنافس عليه تذكر ما أعده الله تعالى للمؤذنين يوم القيامة من أجر عظيم وإن قوماً تنافسوا على الأذان سيتنافسون بطريق الأولى على ما هو أعظم من ذلك، وهذا من أسرار نجاحهم في الجهاد في سبيل الله تعالى والدعوة إلى الإسلام( ).

7- التكتيك العسكري الإسلامي في المعركة:
كانت القادسية نموذجاً مميزاً من نماذج التكتيك العسكري الإسلامي، حيث برع المسلمون فيها بإتقان المناورة التكتيكية التي تتلاءم مع كل حالة قتالية من حالات المعركة، فقد ظهر على مسرح الأحداث قدرة الفاروق على التعبئة العامة، أو التجنيد الإلزامي والحشد الأقصى للوسائل، إذ حشد الخليفة لهذه المعركة أقصى
ما يمكن حشده من الرجال، كما حشد لها الفئة المختارة من رجال المسلمين، فقد كتب إلى سعد أن ينتخب أهل الخيل والسلاح ممن له رأي ونجدة، فاجتمع لسعد في هذه المعركة بضعة وسبعون ممن حضروا بدراً، وثلاثمائة وبضعة عشر ممن صحبوا النبي ? بعد بيعة الرضوان، وثلاثمائة ممن شهدوا فتح مكة، وسبعمائة من أبناء الصحابة ثم إنه لم يدع رئيساً ولا ذا رأي ولا ذا شرف ولا خطيباً ولا شاعراً إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم وهذا هو الحشد الأقصى للوسائل المادية والمعنوية للمعركة، ونجد في التعبئة لهذه المعركة، تجديداً لم نعهده عند المسلمين من قبل، إذ لم ينتظر سعد في ((صرار)) حتى يكتمل جيشه ثم ينطلق به إلى العراق بل انطلق في أربعة آلاف ووصل إلى مكان المعركة بالقادسية في سبعة عشر ألفاً، وهذه طريقة مبتكرة في تعبئة الجيوش لم يعتمدها المسلمون قبل عمر، وحدد الخليفة في رسائله إلى كل من المثنى وسعد مكان المعركة الحاسمة، وهو القادسية، وكان الفاروق أول قائد مسلم يعتمد (الرسالة الخارطة) في دراسته لأرض المعركة وبيئتها، إذ طلب من سعد أن يصف له في رسالة مفصلة، منازل المسلمين – أي مواقعهم – كأنه ينظر إليها، وأن يجعله من أمرهم – أي المسلمين على جلية، فكتب إليه سعد رسالة يشرح له فيها، بالتفصيل، جغرافية القادسية (بين الخندق والعتيق) وما يقع على يمينها ويسارها ثم يشرح له أوضاع البيئة التي تحيط بأرض المعركة فينبئه أن أهلها معادون للمسلمين، ويتخذ الخليفة، بناء على ذلك، قراره التكتيكي والإستراتيجي( )، واستخدم المسلمون اسلوب الغارات التموينية واستنزاف العدو منذ وصولهم إلى أرض العدو وتمركزهم فيها وقد أفادت تلك الغارات التموينية في سد احتياجات الجيش من المؤن، فكان يوم الأباقر ويوم الحيتان وغيرها من الأيام والغارات وقد اتخذت هذه الغارات بالإضافة إلى وجهها التمويني، وجهاً آخر هاماً، هو استنزاف طاقات العدو وقدرة الأهالي على تحمل آثار الحرب ومعاناتها، واستعمل المسلمون اسلوب الكمائن في مناوشاتهم مع الفرس قبل القادسية، وفي استنزافهم لطاقات العدو ومعنوياتهم، فقد كمن بكير بن عبد الله الليثي بفرقة من خيالة المسلمين، في أجمة من النخيل، وعلى الطريق إلى (الصنين) لقافلة تضم أخت أزاد مرد بن أزاذبه مرزبان الحيرة، وهي تزف إلى صاحب (الصنين) من أشراف العجم، وما أن وصلت القافلة إلى مكان الكمين حتى انقض المسلمون عليها، فقصم بكير صلب ((شيرزاد بن أزاذبه أخي العروس، وكان على رأس الخيل التي تتقدم القافلة ونفرت الخيل تعدو بمن على ظهورها من رجال، وأخذ المسلمون الأثقال وابنة أزاذبه في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع وما معهما لا يدرى قيمته( )، واستعمل المسلمون في هذه المعركة أسلوب التكتيك المتغير وفقاً لكل حالة من حالات القتال وظرف من ظروفه، فبينما نراهم في اليوم الأول من المعركة يحتالون على الفيلة المهاجمة فيقطعون وضنها بعد أن يرموها بنبالهم فتفر من ميدان القتال ريثما يصل إليهم المدد القادم من الشام، كما يعمدون إلى إيصال هذا المدد إلى ساحة القتال تباعاً وزمرة زمرة بغية إيهام العدو بكثرته، ثم يعمدون إلى حيلة تكتيكية بارعة وذلك بأن يجللوا إبلهم ويبرقعوها تشبهاً بالفيلة ثم يطلقوها في صفوف العدو فتجفل خيلهم وتولي هاربة لا تلوي على شيء، ويعمد المسلمون في اليوم الثالث إلى مواجهة فيلة الفرس المحمية بخيالتهم ومشاتهم بأن يهاجموا أكبرها وأضخمها فيفقأوا عيونها ويقطعوا مشافرها، فتفر الفيلة هاربة، ويتساوى الفرس والمسلمون في ساحة القتال، بعد أن يخسر الفرس فيلتهم، أي مدرعاتهم ولما رأى المسلمون أن أمد القتال يمكن أن يطول قرروا الهجوم العام فعبأوا صفوفهم وزحفوا زحفة واحدة، وما أن تخلت صفوف العدو وانكشف قلبه حتى كان رستم قائد جيش العدو هدفهم، وما أن قضي على رستم حتى انهزم جيش الفرس هزيمة ساحقة، وهكذا نرى أن الأسلوب الذي اتبعه المسلمون في هذه المعركة لم يتقيد بالأساليب التقليدية التي كانت متبعة في القتال بل أنه لبس لكل حالة لبوسها، فانتقل من الأساليب البدائية (المبارزة) إلى الحيل التكتيكية (الإبل المبرقعة وقطع وضن الفيلة وفقأ عيونها وقطع مشافرها إلى القتال الكلاسيكي التقليدي (الهجوم العام واستهداف القائد) وتميزت هذه المعركة بالتعبئة ذات الطابع القبلي، وميزة هذا الأسلوب أنه يوجد بين القبائل تنافساً فريداً في الحماسة والاندفاع في القتال(1) هذه بعض الأساليب العسكرية الإسلامية التي مارسها المجاهدون في القادسية.

8- ما قيل من الشعر في القادسية:
ومما قاله قيس بن المكشوح المرادي يتحدث عن فروسيته مفتخراً لما كان منه ومن المجاهدين الآخرين في مناهضة قادة الفرس فيقول:

جلبتُ الخيلَ من صَنعاءَ تَردِي
إلى وادي القُرى فديار كلب
وجئنا القادسية بعد شهر
فناهضنا هنالك جَمْعَ كسرى
فلمّا أن رأيت الخيل جالت
فاضربُ رأسه فهوى صريعا
وقد أبلى الإله هناك خيراً
ج بكل مُدَحَّجٍ كالليث سامي(2)
إلى اليرموك فالبلدِ الشَامي
مسَوَّمة دوابرها دوامي
وأبناء المرازبة الكرام (3)
قصدت لموقف الملك الهُمام
بسيفٍ لا أفلَّ ولا كَهامِ(4)
وفعل الخير عند الله نامي(1)

وقال بشر بن ربيع الخثعمي في القادسية:

تذَّكر هداك الله ـ وقع سيوفنا
عشية ودَّ القوم لو أن بعضهم
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة
ترى القوم فيها واجمين كأنَّهم
بباب قُديس والمكرُّ عَسِيرُ
يعار جَنَاحَيْ طائر فيطيرُ
دلْفنا لأخرى كالجبال تسير
جمال بأجمال لهُنَّ زَفِيرُ(2)


وقال بعض الشعراء:

وحيّتكَ عني عصبة نخعية
أقاموا لكسرى يضربون جنودَهُ
إذا ثوّب الداعي أناخوا بكلكل
حسان الوجوه آمنوا بمحمد
بكلِّ رقيق الشفرتين مهنّدِ
من الموت مسودِّ الغياطيل(3) أجرد


وقال بعض الشعراء:
وجدنا الأكرمين بني تميم
هُمُوا ساروا بأرعن مكفهّرٍ(4)
بحور للأكاسر من رجال
تركن لهم بقادس عز فخر
مقطعة أكفهم وسوق
غداة الروع أكثرهم رجالا
إلى لجب يرونهم رعالا(5)
كأسد الغاب تحسبهم جبالا
وبالخيفين أياماً طِوالا
بمرد حيث قابلت الرجالا(6)

ما قاله النابغة الجعدي وهو يصور بشعره ما دار بينه و بين امرأته، وقد جزعت بسبب ذهابه في فتوح فارس ، فقال:

باتَتْ تذكرني بالله قاعدة
يا بنت عمّي كتاب الله أخرجني
فإن رجعت فربُّ الناس أرجعني
ما كنت أعرجَ أو أعمى فيعذرني
والدمع ينهل من شأْنَيْها سَبَلا
كرها، وهل أمنعنَّ الله ما بذلا
وإن لحقت بربي فابتغي بدَلا
أو ضارعاً من ضنىً لم يستطع حِوَلا( )


سادساً: فتح المدائن:
أقام سعد بالقادسية شهرين ينتظر أمر عمر، حتى جاءه بالتوجه لفتح المدائن، وتخليف النساء والعيال بالعتيق مع جند كثيف يحوطهم وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ماداموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم، ففعل وسار بالجيش لأيام بقين من شوال، وكان فَلُّ المنهزمين لحق ببابل، وفيهم بقايا الرؤساء مصمِّمين على المدافعة، وبدأت مدن وقرى الفرس تسقط واحدة بعد واحدة، ففتح المسلمون البُرس ثم بابل بعد أن عبروا نهر الفرات ثم كُوثي ثم ساباط بعضهما عنوة والبعض الآخر صلحاً( ) واستمرت حملات المسلمين المنظمة حتى وصلوا إلى المدائن، وأمر عمر سعداً بأن يحسن إلى الفلاحين وأن يوفي لهم عهودهم ودخلت جموع هائلة من الفلاحين في ذمة المسلمين، وتأثر الفلاحون بأخلاق جيش المسلمين وبعدلهم ومساواتهم المنبثقة من دينهم العظيم، فأميرهم كأصغر الرعية أمام الحق الأكبر، ولا ظلم، ولا فساد في الأرض خفت عنهم


وطأة الكبرياء والعبودية التي كانوا يسامونها فصاروا عباداً لله وحده، وقد توجه سعد نحو المدائن بعد أمر أمير المؤمنين، فبعث مقدمة الجيش بقيادة زهرة بن الحَوِيَّة، وأتبعه بعبدالله بن المعتَّم في طائفة من الجيش ثم بشرحبيل بن السمط في طائفة أخرى، ثم بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وقد جعله على خلافته بدلاً من خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بهم ببقية الجيش وقد جعل على المؤخرة خالد بن عرفطة( ) وقد توجه زهرة قائد المقدمات إلى المدائن ، والمدائن هي عاصمة دولة الفرس، وتقع شرق نهر دجلة وغربه، فالجزء الذي يقع غربه يسمى "بَهُرْ سير" والذي يقع شرقه يسمى "أسبانير" و"طيسفون" وقد وصل زهرة إلى بهرسير وبدأ حصار المدينة، ثم سار سعد بن بي وقاص بالجيش الإسلامي ومعه قائد قواته ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى المدائن الغربية "بهر سير" وفيها ملك الفرس (يَزْدَجرد)، فحاصرها المسلمون شهرين، وكان الفرس يخرجون أحياناً لقتال المسلمين ولكنهم لا يثبتون لهم وقد أصيب زهرة بن الحوية بسهم، وذلك أنه كان عليه درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم فسُرد (حتى لا تبقى فيها فتحة تصل منها السهام) فقال: ولِمَ؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: إني لكريم على الله إن تَرك سهم فارس الجند كلَّه ثم أتاني من هذا الفصم حتى يثبت فيَّ وكان كريماً على الله كما أمَّل، فكان أولَ رجل من المسلمين أصيب يومئذ بسهم، فثبت فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها منه، فقال: دعوني فإن نفسي معي ما دامت فيَّ لعلي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو فضرب بسيفه شهريار من أهل اصطخر فقتله( ) وقد بقي المسلمون في حصار بهر سير شهرين، استعملوا خلالها المجانيق وقد صنع لهم الفرس الموالون لهم عشرين منجنيقاً شغلوا بها الفرس، وأخافوهم( ) وفي هذا دلالة على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يهملون تحصيل أسباب النصر المادية إذا قدروا عليها، وأنهم كانوا على ذكر تام لقول الله تعالى"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" (الأنفال، آية 60) ، إلى جانب تفوقهم في أسباب النصر المعنوية التي انفردوا بأهمها وأبرزها وهو الاعتماد على الله وذكره ودعاؤه( )

1- معية الله تعالى لأوليائه بالنصر والتأييد:
عن أنس بن الحليس قال: بينما نحن محاصرون بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة وجبلنُا ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم، فبدر الناس أبو مُفَزِّر الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري
ما هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن ـ يعني يعبرون النهر إلى شرق المدائن ـ فقلنا: يا أبا مفزر ما قلت له؟ قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما أدري ما هو إلا أن عليَّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون أُنطقت بالذي هو خير، وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد فجاءنا فقال: يا أبا مفزر
ما قلت؟ فو الله إنهم لهُرَّاب فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى الناس ثم نهدبهم، وإن مجانيقنا لتخطر عليهم، فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمَّنَّاه، فقال: إن بقي فيها أحد، فما يمنعكم؟ (يعني لم يبق فيها أحد، فشورها الرجال وافتتحناها فما وجدنا فيها شيئاً ولا أحداً، إلا أسارى أسرناهم خارجاً منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأي شئ هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبداً حتى نأكل عسل أفريذين باُتْرُجِّ كوثي، فقال الملك: واويله ألا إن الملائكة تكلَّم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيب عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك ما هذا إلا شئ أُلقي على فِيِّ هذا الرجل لِنَنْتَهي، فأرزُوا إلى المدينة القصوى( )

2- الآيات التي قرأها سعد لما نزل مظلم ساباط:
نزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في (مظلم ساباط) بعد أن قدم هاشماً ومن معه نحو بهرَ سير وهي الجزء الغربي من المدائن، ولما نزل سعد ذلك المكان قرأ قول الله تعالى? وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ(44) ? (إبراهيم،آية:44). وإنما تلا هذه الآية لأن في ذلك المكان كتائب لكسرى تُدعى بوران ، وكانوا يحلفون بالله كل يوم، لا يزول ملك فارس ما عشنا( ) وقد هزمهم وفرقهم زهرة بن الحوية قبل استشهاده( )
ولما دخل المسلمون "بهرسير" وذلك في جوف الليل ـ لاح لهم الأبيض وهو قصر الأكاسرة فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا( )

3- مشورة بين سعد وجنوده في عبور النهر:
ولما علم سعد أن كسرى قد عبر بالسفن إلى المدائن الشرقية وضم السفن كلها إليه وقع في حيرة من أمره، فالعدو أمامهم وليس بينهم إلا النهر ولا سبيل إلى عبوره لعدم توفر السفن، وهو يخشى أن يرتحل عدوه فيصعب القضاء عليه، وقد أتى سعداً بعض أهل فارس فدلوه على مخاضة يمكن اجتيازها مع المخاطرة، فأبى سعد وتردد عن ذلك، ثم فاجأهم النهر بمدِّ عظيم حتى اسودَّ ماء النهر وقذف بالزبَّد من سرعة جريانه، وفي أثناء ذلك رأى سعد رؤيا صالحة مفادها أن خيول المسلمين قد عبرت النهر، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، وجمع الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن أعدائكم قد اعتصموا منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا فَيُنَاوشونكم في سفنهم وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه، قد كفاكموهم أهل الأيام( )، وعطلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم( ) وقد رأيت من الرأي أن تبادروا جهاد عدوكم بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل( ) ، وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد منها:

 


احمد_الدليمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-12-19, 01:49 AM   #39
الملف الشخصي للعضو

:: عضو برونزي ::

 
الصورة الرمزية احمد_الدليمي

معلومات إضافية للعضو
 
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 377650
الدولة: دولة الكويت
المشاركات: 827
بمعدل : 0.36 يوميا
المواضيع :
الردود :
Rep Power: 136309047
احمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزه

العضو : احمد_الدليمي المنتدى : قسم نصرة رسول الله والسيره العطره

- تذكُّر معية الله جل وعلا لأوليائه المؤمنين بالنصر، والتأييد فهذه الرؤيا الصادقة التي رآها سعد رضي الله عنه من الله جل وعلا لتثبيت قلبه ليُقدم على هذا الأمر المجهول العاقبة.
- أن الله تعالى يُجري الأمور لصالح المؤمنين، فالنهر جرى بكثافة مفاجئة على غير المعتاد، وظاهر هذا أنه لصالح الفرس حيث إنه سيمنع أي محاولة لعبور المسلمين، ولكن حقيقته أنه لصالح المسلمين، حيث أعطى ذلك الكفار طمأنينة فلم يستعدوا لقدوم المسلمين المفاجئ لهم، ولم يستطيعوا أن يحملوا معهم كل ما يريدون حمله من الفرار.
- أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفاءلون خيراً بالرؤيا من الرجل الصالح، ويعتبرونها مُرجحاً للإقدام على العمل وكانوا رضي الله عنهم يحسنون الظن بالله تعالى ويعتبرون أن رُؤَى الخير تثبيت وتأييد منه تعالى.
- أن قادة المسلمين في العهد الراشدي كانوا يتصفون غالباً بالحزم واغتنام الفرص وتفجير طاقة الجنود وهم في حماسهم وقوة إيمانهم، فهذا سعد رضي الله عنه يأمر جيشه بأن يعبروا إلى الأعداء بسلاح الإخلاص والتقوى وقد كان مطمئناً إلى مستوى جيشه الإيماني فأقدم على ما أقدم عليه مستعيناً بالله تعالى ثم بذلك المستوى الرفيع.
- إتصاف الصحابة رضي الله عنهم ومن معهم من التابعين بالطاعة التامة لقادتهم، وكانوا يعتبرون هذه الطاعة واجباً شرعياً وعملاً صالحاً يتقربون به إلى الله تعالى( ).

4- عبور النهر وفتح المدائن:
ندب سعد الناس إلى العبور وقال: من يبدأ ويحمي لنا الفِراضَى( ) حتى تتلاحق به الناس لكي يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو التميمي وكان من أصحاب البأس والقوة، وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدات، فأمّر عليهم سعد عاصماً فسار فيه حتى وقف على شاطئ دجلة وقال: من ينتدب معي لنحمي الفراضى من عدوكم ولنحميكم حتى تعبروا؟ فاندب له ستون من أصحاب البأس والنجدة، ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقية الستمائة على إثرهم، وهكذا تكونت من جيش المسلمين فرقة من الفدائيين عددهم ستمائة وقد سميت كتيبة الأهوال، واستخلص عاصم منهم ستين تحت قيادته ليكونوا مقدمة لهذه الفرقة، وهذا تخطيط محكم من سعد أولا ثم من عاصم، وذلك أن مواجهة الأهوال والمغامرات لا تكون بالعدد الكبير، وإنما تكون بأصحاب البأس الشديد والقدرة القتالية العالية وإن كانوا قلائل ، وذلك أنه إذا انضمَّ لهذه الفرقة من هم أقل كفاءة وشجاعة ثم ارتدوا عند هجوم الأعداء يسببون انهزام الفرقة كلها( ).
وقد اقتحم عاصم النهر بالستين على الخيول وقد ذُكر من طليعتهم الذين سبقوا إلى الشاطئ الآخر أصمُّ بني وَلاَّد التيمي، والكَلَج الضبيّ، وأبو مفزِّر الأسود بن قطبة ، وشرحبيل بن السَّمط الكندي، وحَجْل العجلي، ومالك بن كعب الهمداني، وغلام من بني الحارث بن كعب فلما رآهم الأعاجم أعدُّوا لهم فرساناً فالتقوا بهم في النهر قرب الشاطئ الشرقي، فقال عاصم: الرماح الرماح، أشرعوها وتوخَّوا العيون، فالتقوا فاطعنوا وتوخَّى المسلمون عيونهم، فولوّا نحو الشاطئ والمسلمون ينخسون خيولهم بالرماح لتسرع في الهروب فصارت تسرع وأصحابها لا يملكون منعها، ولحق بهم المسلمون فقتلوا عامتهم ونجا من نجا منهم عورانا، ولحق بقية الستمائة بإخوانهم فاستولوا على الشاطئى الشرقي( )

5- المسلمون يقتحمون النهر:
لما رأى سعد عاصماً على الفراضي قد منعها أذن للناس في الإقتحام وقال: قولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وتلاحق مُعظم الجند فركبوا اللُّجَّة، وإنَّ دجلة لترمي بالزبد، وإنها لمسودَّة، وإن الناس ليتحدثون في مسيرهم على الأرض( )، وكان الذي يساير سعداً في الماء سلمان الفارسي فعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرنّ الله وليَّه، وليظهرنّ الله دينه، وليهزمن الله عدوه إن لم يكن في الجيش بَغْي أو ذنوب تغلب الحسنات( )، فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذُلِّلتْ لهم والله البحور كما ذُلِّلَ لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً( )، وقول سلمان رضي الله عنه: الإسلام جديد، يعني لا يزال حياً واتباعه أقوياء الإيمان معتزون به، وقد جعلوه قضيتهم التي من أجلها يحيون ومن أجلها يموتون، وإليها يدعون وعنها يدافعون، أما حين يتقادم العهد فإنه تأتي أجيال ترث هذا الدين وراثة لا اختيارا، ولا تجعله القضية التي تأخذ على أفرادها مشاعرهم واهتماماتهم، بل يجعلون همهم الأكبر هو العلو في الدنيا والتمتع بمتاعها ويصبح الدين أمراً ثانوياً في قاموس حياتهم، فعند ذلك يخرجون منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً( ).
هذا وقد تم عبور المسلمين جمعياً سالمين لم يُصَب أحد منهم بأذى، ولم يقع منهم في النهر إلا رجل من بارق يدعى "غرقدة" زال عن ظهر فرس شقراء، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فأخذ بيده فجره حتى عبر، فقال البارقي ـ وكان من أشد الناس ـ أعجَزْتَ الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع، وكان للقعقاع فيه خؤولة( )، لقد دهش الفرس من عبور المسلمين وهرب يزدجرد قاصداً حلوان ودخل المسلمون من غير معارض ونزل سعد القصر الأبيض واتخذه مصلى وقرأ قوله تعالى: ? كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ(27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28) ? (الدخان،آية:25، 28)، وصلى ثمان ركعات صلاة الفتح وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء( ) وكان الذي يقود كتيبة الأهوال، عاصم بن عمرو التميمي، وأما الكتيبة الخرساء فكان يقودها القعقاع بن عمرو( )

6- مواقف من أمانة المسلمين:

أ- أحمد الله وأرضى بثوابه: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل يحُف معه، فدفعه إلى صاحب الأقباضى ، فقال: والذي معه: ما رأينا مثل هذا قط،
ما يعد له ما عندنا ولا يقاربه، فقالوا: هل أخذت منه شيئاً؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني: ولا غيركم ليقِّرظوني، ولكنني أحمد الله وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه، فسال عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس( )

ب- قال عصمة بن الحاث الض‍َّبِّي: خرجت فيمن خرج يطلب فأخذت طريقاً مسلوكاً وإذا عليه حَمَّار، فلما رآني حثَّه فلحق بآخر قدامه، فمالا وحثَّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كُسر جسره فثبتا حتى أتيتهما ، ثم تفرقا، ورماني أحدهما فألظْظت به (يعني تبعته) فقتلته وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما فإذا سَفَطان في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضة على ثغْر( ) ولبَبَه الياقوت والزمرُّد منظوم على الفضة ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلَّل بالجواهر، وإذا في الآخر ناقة من فضة عليها شليل( )من ذهب وبطان من ذهب ولها زمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يضعها إلى إسطوانتي التاريخ( )

ج- خير القعقاع بن عمرو:
لحق القعقاع بفارسي يحمي الناس فقتله، وإذا معه غلافان وعيبتان، وإذا في أحد الغلافين خمسة أسياف وفي الآخر ستة، وهي من أسياف الملوك من الفرس ومن الملوك الذين جرت بينهم وبين الفرس حروب وفيها سيف كسرى وسيف هرقل وإذا في العيبيتين أدراع من أدراع الملوك وفيها درع كسرى ودرع هرقل، فجاء بها إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام، وأما سائرها فنفلها كتيبة الخرساء التي هي بقيادة القعقاع ، إلا سيف كسرى والنعمان، فقد رأى أن يبعثهما إلى أمير المؤمنين لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما( )

س- ثناء الصحابة على أفراد الجيش:
أثنى أكابر الصحابة رضي الله عنهم على ذلك الجيش ومن ذلك قول سعد بن
أبي وقاص: والله إن الجيش لذو أمانة ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت على فضل أهل بدر( )، وقال جابر بن عبدالله: والله الذي لا إله إلا هو ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كالذي هجمنا عليه من آمانتهم وزهدهم: طليحة بن خويلد، وعمرو بن معد يكرب، وقيس بن المكشوح، وأكبر من ذلك ثناء أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما رأى خُمس تلك الغنائم وكان معها سيف كسرى ومنطقته وزبرجده فقال: إن قوماً أدَّوا هذا لذَوو أمانة، فقال علي رضي الله عنه: إنك عففت فعفَّت الرعية ولو رتعت لرتعت( ).

ش- موقف عمر رضي الله عنه من نوادر الغنائم:
بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفِّيه وقد كانت غالية الثمن كالحرير والذهب والجوهر، فنظر عمر في وجوه القوم، وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعثم، فقال:يا سُراقة قم فالبس، قال سراقة: فطمعت فيه، فقمت فلبست فقال: أدبر فأدبرت، ثم قال: أقبل فأقبلت، ثم قال بخٍ بخٍ أعرابي من مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه، رب يوم يا سراقه بن مالك لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى كان شرفاً لك ولقومك، انزع فنزعت فقال: اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي، ثم بكى حتى رحمه من كان عنده، ثم قال لعبد الرحمن بن عوف أقسمت عليك لما بِعتْه ثم قسمته قبل أن تمسي( )

ســابعاً: موقعة جلولاء:
اجتمع الفرس على مفترق الطرق إلى مدائنهم في جلولاء فتذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبداً، وهذا مكان يفرق بيننا فهلموا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم فإذا كانت لنا فهو الذي نريد وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا وأبلينا عذراً، واجتمعوا على قيادة مهران الرازي، وحفروا خندقاً حول مدينتهم وأحاطوا به الحسك من الخشب إلا الطرق التي يعبرون منها وقد كتب سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد يأمره ببعث هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء في اثني عشر ألفاً،وأن يجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي وعلى ميمنته مسعر بن مالك، وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة وعلى ساقته عمر بن مرة الجهني، وسار إليهم هاشم بجيشه فحاصرهم وطاولهم أهل فارس فكانوا لا يخرجون لهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفاً، كل ذلك يعطي الله المسلمين عليهم الظفر، وغلبوا المشركين على حسك الخشب التي اتخذوها لإعاقة المسلمين فاتخذ الأعداء حسك الحديد، وجعل هاشم يقوم في الناس ويقول: إن هذا المنزل منزل له ما بعده وجعل سعد يمده بالفرسان، حتى إذا طال الأمر وضاق الأعداء من صبر المسلمين اهتموا بهم فخرجوا لقتالهم فقال: ابتلوا الله بلاءً حسنا ليتم لكم عليه الأجر والمغنم واعملوا لله، فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحاً أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق فلم يجدوا بدِّا من أن يردموا الخندق مما يليهم لتصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم( )فلما بلغ المسلمين ما قام به الأعداء من ردم الخندق قالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه؟ فلما نهض المسلمون لقتالهم خرجوا فرَموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيل وتركوا مكاناً يخرجون منه على المسلمين فاقتتلوا قتلاً شديداً لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير وهي من ليالي القادسية إلا أنه كان أقصر وأعجل، وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر منادٍ يقول: يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فاقبلوا إليه ولا يمنعنَّكم من بينكم وبينه من دخوله وإنما أمر بذلك ليقَوِيِّ المسلمين به ـ فحمل المسلمون وهم
ولا يشكُّون في أن هاشماً فيه فلم يقم لحملتهم شيء حتى انتهوا إلى بابا الخندق فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فُعقرت دوابهم ـ يعني بسبب حسك الحديد التي أعدوها للمسلمين ـ وعادوا رجّالة، وأتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يُعَدّ، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجلَّلت القتلى المجال وما بين يديه
وما خلفه، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهو جلولاء الوقيعة( )

أ- إن جندنا أطلقوا بالفَعال لساننا:
وبعث سعد بن أبي وقاص زياد بن أُبيه بالحسابات المالية إلى أمير المؤمنين، وكان زياد هو الذي يكتب للناس ويدوِّنهم فلما قدم على عمر كلمه فيما جاء له ووصف له فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما كلمتني به؟ فكيف لا أقوى على هذا من غيرك ! فقام في الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الإنسياح في البلاد، فقال عمر: هذا الخطيب المصقع ، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفَعال لساننا( )

ب- موقف عمر من غنائم جلولاء:
انتهت معركة جلولاء بانتصار المسلمين ، وقد غنموا فيها مغانم عظيمة أرسلوا بأخماسها إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقال حين رآه: والله لا يُجنِّه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبه ـ وهي الأنطاع ـ فلما نظر إلى ياقوته، وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك
يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا لموطن شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، والله
ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقي بأسهم بينهم( )، وهذا لون من حساسية الإيمان المرهفة، حيث يدرك المؤمن الراسخ من نتائج الأمور المستقبلية ما لا يخطر على بال غيره، فيحمله الإشفاق على المؤمنين من أن يكدر صفو علاقاتهم الإيمانية شائبة من شوائب الدنيا التي تباعد بين القلوب، يحمله ذلك على التأثر العميق الذي يصل إلى تحدر دموعه أمام الناس وإنه لعجيب أن تنهمر الدموع من عيني رجل بلغ من القوة حداً يخشاه أهل الأرض قاطبة مسلمهم وكافرهم ومنافقهم، ولكنها الرحمة التي حلىَّ بها الله جل وعلا قلوب المؤمنين، فأصبحوا كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ? مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29) ? (الفتح، آية: 29).

ثامــناً: فتح رامهرمز
كان الفرس قد بدأو بالتجمع مرة أخرى بتحريض من ملكهم يزْدجرد، فاجتمعوا في رامهرمز بقيادة الهرمزان، وقد كان سعد بن أبي وقاص أخبر أمير المؤمنين بخبر اجتماعهم فأمره بأن يجهز إليهم جيشاً من أهل الكوفة بقيادة النعمان بن مقرن، وأمر أبا موسى الأشعري بأن يجهز جيشاً من البصرة بقيادة سهل بن عدي، وإذا اجتمع الجيشان فعليهم جميعاً أبو سبرة بن أبي رهم، وكل من أتاه فهو مدد له وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة، ثم سار نحو "الهرمزان" والهرمزان يومئذ برامهرمز ـ ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشَّدةَّ ورجا أن يقتطعه ، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل إمدادهم تنتشر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن الله عزو جل هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز ولحق بتستر وأما سهل بن عدي فإنه سار بأهل البصرة يريد رامهرمز فأتتهم المعركة وهم بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر بأن الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا إلى تستر، ومال إليها النعمان بأهل الكوفة( )

تاســعاَ: فتح تستر:
وصل جيش النعمان بن مقرن وجيش سهل بن عدي إلى تستر، واجتمعا تحت قيادة أبي سبرة بن أبي رُهْم، وقد استمد أبو سبرة أمير المومنين فأمدهم بأبي موسى الأشعري فأصبح قائد جيش البصرة، وظل أبو سبرة قائد الجيش كله وقد بقي المسلمون في حصار تستر عدة شهور قابلوا فيها جيش الأعداء في ثمانين معركة وظهرت بطولة الأبطال بالمبارزة فاشتهر منهم عدد بقتل مائة مبارز سوى من قتلوا في أثناء المعارك، وقد ذكر منهم : البراء بن مالك ومجزأة بن ثورة وكعب بن سور وأبو تميمة وهم من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك ذُكر منهم حبيب بن قرة ورِبْعي بن عامر، وعامر بن عبدالله الأسود( ).
ولما كان أخر لقاء بين المسلمين وأعدائهم، واشتد القتال نادى المسلمون البراء بن مالك وقالوا: يا براء ـ أقسم على ربك ليهزمنَّهم لنا، فقال: اللهمَّ اهزمهم لنا، واستشهدني، وقد باشر المسلمون القتال وهزموا أعداءهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم وأنه لما ضاق الأمر على الفرس واشتد عليهم الحصار اتصل اثنان منهم في جهتين مختلفتين بالمسلمين وأخبراهم بأن فتح المدينة يكون من مخرج الماء، وقد وصل الخبر إلى النعمان بن مقرن، فندب أصحابه كذلك، فالتقى الأبطال من أهل الكوفة والبصرة في ذلك المكان ليلاً، ودخلوا منه بساحة إلى المدينة فكبَّروا وكبر من وقفوا في الخارج، وفتحوا الأبواب، فأبادوا من حولها بعد شيء من المقاومة( )، وقد استشهد في هذه المعركة البراء بن مالك ومجزأة بن ثور حيث رماهما الهرمزان، وكان استشهادهما بعد انتصار المسلمين في المعركة ولجأ الهرمزان قائد الفرس إلى القلعة، وأطاف به المسلمون الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قِبلَه قال لهم:
ما شئتم ، قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم ومعي في جعبتي مائة نشَّابه، ووالله ما تصلون إليَّ ما دام معي نشابة، وما يقع لي سهم، وما خير إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه، فشدوا وثاقه وأرصدوه ـ أي راقبوه ـ ليبعثوا إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل، فاقتسموا أربعة أخماسه، فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم( ) وفي غزوة تستر دروس وعبر منها:-

• ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما عليها:
قال أنس بن مالك أخو البراء: شهدت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح الله لنا، قال أنس بن مالك الأنصاري: ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما عليها( )

• وسامٌ من أوسمة الشرف ناله البراء بن مالك:
علّق النبي ? على صدر البراء بن مالك وساماً عظيماً من أوسمة الشرف وذلك بقوله: (كم من أشعث أغبر ذي طِمْرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم البراء بن مالك( )، فقد كان البراء مستجاب الدعوة، وعرف الناس عنه ذلك بموجب هذا الحديث ولذلك طلبوا منه في هذه المعركة أن يدعوا الله ليهزم عدوهم، ومع هذا الثناء العظيم من رسول الله ? على البراء فإنه لم يَبْطَر ولم يتكبر، بل ظل الرجل المتواضع الذي يقتحم الأهوال، ويأتي بأعظم النتائج، من غير أن تكون له إمرة أو قيادة وإذا كان قد سأل الله تعالى النصر للمسلمين وهو عزُّ لهم وللإسلام فإنه لم يُغفل نفسه أن يسأل الله تعالى أغلى ما يتمناه المؤمن القوي الإيمان، حيث سأل الله تعالى الشهادة، وقد استجاب الله تعالى دعاءه فهزم الأعداء ، ورزقه الشهادة في ذلك اليوم( ).

3- خبر أمير المؤمنين عمر مع الهرمزان:
وأرسل أبو سَبرة بن أبي رُهم قائد المسلمين في تلك المعارك وفداً إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وأرسل معهم الهرمزان، حتى إذا دخلوا المدينة هيأوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجاً يُدعى الأذين مكللاً بالياقوت وعليه حليته، كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل لهم: جلس في المسجد لوَفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروه، فلما انصرفوا مرُّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدُّدكم( )؟ أتريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم في ميمنة المسجد، متوسداً برنسه
- وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس - فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برسنه ثم توسده فنام - فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والِّدرة في يده معلقة فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا ، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه وأصغى الهرمزان إلى الوفد فقال: أين حرسه وحُجَّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبياً، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالساً ثم نظر إلى الهرمزان، فقال الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه وقال: أعوذ بالله من النار؟ واستعن الله، وقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا و أشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم ?، ولا تُبطرنكم الدنيا فإنها غرارة. فقال الوفد: هذا ملك الأهواز فكَّلمه ، فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شئ فُرمي عنه بكل شئ عليه إلا شيئاً يستره، وألبسوه ثوباً صفيقاً، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلىَّ بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلتني قبل أن أخبرك،قال:لا تخف ذلك، واستسقى ماء ، فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو متُّ عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا ، فأتي به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال إني أخاف أن أُقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك ، قال: قد آمنتني، فقالك كذبت، فقال أنس: صدق أمير المؤمنين، قد آمنته، قال ويحك يا أنس أنا أُؤمِّن قا تل مجزأة والبراء، والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني،وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال: خدعتني ، والله لا أنخدع إلا لمسلم ، فأسلم، ففرض له على ألفين، وأنزله المدينة( ).

عاشــراً: فتح مدينة جُنْدَيْ سابور:
لما فرغ أبو سبرة بن أبي رهم من فتح بلاد السوس خرج في جنده حتى نزل على "جندي سابور" وكان زر بن عبد الله بن كليب محاصرهم، وأقاموا عليها يغادرونهم ويراوحونهم القتال، فمازالوا مقيمين عليها حتى رُمي إليهم بالأمان من المسلمين وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفاجأ المسلمون إلا وأبوابها تفتح، ثم خرج السرح، وخرجت الأسواق، وانبثَّ أهلها، فأرسل المسلمون أن مالكم؟ قالوا: رميتم لنا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا، فقالوا: ما فعلنا، فقالوا:
ما كذبنا فتسأل المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يُدعَى مكنفاً كان أصله منها، هو الذي كتب لهم فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: لا نعرف حُرَّكم من عبدكم ، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه ولم نبدِّل فإن شئتم فاغدروا، فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إن الله تعالى عظَّم الوفاء فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شك أجيزوهم ووَفُوا لهم، فوفوا لهم وانصرفوا( )، وهذا مثال يدل على تفوق المسلمين الشاسع في مجال مكارم الأخلاق على جميع أعدائهم من الكفار ولا شك أن هذا التفوق الأخلاقي كان من الدوافع الأساسية لدخول الكفار في الإسلام بتلك الكثافة والسرعة المذهلة( )

1- النعمان بن مقرن ومدينة كسكر:
كان النعمان بن مُقرِّن والياً على كسكر، فكتب إلى عمر رضي الله عنه : مثلي ومثل كسكر كمثل رجل شابِّ وإلى جانبه مُومسة تلوَّن له وتعطَّر، فانشدك الله لما عزلتني عن كسكر، وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين، فكتب إليه عمر: أن ائت الناس بنهاوند، فأنت عليهم( ).

المبـــحث الثالث: معركة ناهاوند (فتح الفتحوح) المرحلة
الرابعة 21هـ:

كان المسلمون قد انتصروا على جيوش الفرس في معارك عديدة متتالية ، وأضحوا يطاردون فلول تلك الجيوش دون أن يتركوا لها فرصة لإلتقاط أنفاسها، فمنذ انتصارهم الساحق في معركة القادسية بالعراق حتى المعركة الحاسمة في نهاوند، مرت أربع سنوات كان المسلمون ينتقلون خلالها من نصر إلى نصر، وكانت تلك الجيوش تتابع تقدمها لكي تقضي على ما تبقى من فلول جيوش الإمبراطورية الهرمة، لولا أن أوامر الخليفة عمر رضي الله عنه كانت تقضي بالتوقف أمام جبال زاغروس وعدم تجاوزها، وذلك بغية إعادة تنظيم الجيوش المنهكة من القتال المستمر، وتنظيم إدارة الأقاليم المفتوحة ( )ولقد أثارت الهزائم المتتالية التي ألحقها المسلمون بالفرس بعد القادسية خاصة حفيظتهم وخنقهم ولم تكن كافية على ما يبدو للقضاء نهائياً على مقاومتهم فكتب أمراؤهم وقادتهم إلى مليكهم (يزدجرد) يستنهضونه للقتال من جديد، فعزم عليه ، وأخذ يعد العدة للعودة إلى قتال المسلمين فيما تبقى له في بلاده من معاقل ومعتصمات ، فكتب إلى أهل الجبال من الباب إلى سجستان فخراسان أن يتحركوا للقاء المسلمين وواعدهم جميعاً نهاوند ، وكان قد وقع عليها كمركز أخير للمقاومة ، وكميدان للمعركة الحاسمة فهي مدينة منيعة تحيط بها الجبال من كل جانب ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر مسالك وعرة صعبة ، وقد تحشَّد الفرس في هذه المدينة واجتمع ليزدجرد فيها مائة وخمسون ألف مقاتل : ثلاثون ألفاً من الباب إلى حلوان، وستون ألفاً من خراسان إلى حلوان، ومثلها من سجستان إلى حلوان، فجعل يزدجرد عليهم الفيرزان قائداً( ).
كان سعد بن أبي وقاص في الكوفة حين علم بخبر الحشود الفارسية فكتب إلى الخليفة عمر ينبئه بذلك ويستأمره، شارحاً له الوضع من مختلف جوانبه، فجمع عمر في المدينة أهل الرأي والمشورة من المسلمين واستشارهم في الأمر، ثم قرر بعدها إرسال جيش لقتال الفرس في معقلهم الأخير "نهاوند"، وكان النعمان بن مقرن المزني يومئذ عاملاً على كسكر، وكان قد كتب إلى الخليفة كتاباً يقول له فيه: ( مَثلي ومثل كسكر كمثل رجل شاب إلى جنبه مومسة تلون له وتعطر، فانشدك الله لما عزلتني عن كسكر وبعثتني إلى جيش من جيوش المسلمين)( ).
واستشار عمر مجلس شوراه وتقرر أن يتولى قيادة جيوش المسلمين في نهاوند النعمان بن مقرن، ووضع الخليفة خطة لتعبئة جيش المسلمين على الشكل التالي:

- النعمان بن مقرِّن المزني (والي كسكر) قائداً عاماً للجيش.
- حذيفة بن اليمان ـ قائداً لفرقة تعبأ من أهل الكوفة.
- أبو موسى الأشعري (والي البصرة) قائداً لفرقة تعبأ من أهل البصرة.
- عبد الله بن عمر (بن الخطاب): قائداً لفرقة تعبأ من المهاجرين والأنصار.
- سلمى بن القين، وحرملة بن مريطة، وزر بن كليب، والأسود بن ربيعة، وسواهم من قادة المسلمين في الأهوار وباقي بلاد فارس: إحتياط ومشاغلة للأعداء.
وكتب عمر إلى الولاة والقادة بتعليماته واستطاع الفاروق أن يحشد جيشاً مقداره ثلاثين ألف مقاتل( ) وتحرك جيش الإسلام بقيادة النعمان بن مقرن إلى نهاوند.
ووجدها محصنة تحصيناً قوياً وحولها خندق عميق وأمام الخندق حسك شائك مربع الأضلاع يثبت منه ضلع في الأرض وتظل الأضلاع الثلاثة الباقية أو إثنان منها على الأقل فوق سطحها ، لتعيق تقدم المهاجمين أو تؤذي خيالتهم بأحداث ثقوب في حوافر جيادهم مما يمنعها من متابعة الجري، أما جيش الفرس داخل سور المدينة فكان على تعبئة وقد انضم إليه بنهاوند "كل من غاب عن القادسية" ، وقد ركز الفيرزان رماته بإتجاه محاور التقدم المحتملة للمسلمين كي يطالوا جندهم بنبالهم إذا ما حاولوا التقدم( ).
لقد اصطدمت خيول المسلمين بالحسك الشائك ثم بالخندق فلم يستطيعوا اجتيازها، بينما تولى رماة الفرس رمي جند المسلمين الذي تمكنوا من الإقتراب من السور، واستمر الأمر كذلك لمدة يومين ورأى النعمان أن يجمع أركان الجيش الإسلامي لتدارس الوضع معه، وخرجوا بنتيجة الاجتماع بالخطة التالية وكان صاحبها طليحة بن خويلد الأسدي:
1- تخرج خيول المسلمين فتنشب القتال مع الفرس، وتستفزهم حتى تخرجهم من أسوارهم.
2- إذا خرجوا تقهقرت خيول المسلمين أمامهم فيعتقدون تراجعها ضعفاً ويطمعون بالنصر، فيلحقوا بها وهي تجري أمامهم.
3- تستدرج خيول المسلمين المتظاهرة بالهزيمة ، الفرس إلى خارج أسوارهم ومواقعهم.
4- يفاجئ المسلمون الذي يكونون قد كمنوا في أماكن محددة ومموهة الفرس المتدفقين خلف خيول المسلمين ، ويطبقون عليهم وهم بعيدون عن مراكزهم وخنادقهم وأسوارهم( )، وشرع النعمان لتنفيذ هذه الخطة ووزع قواته فرقاً على الشكل التالي:

- الفرقة الأولى: خيالة بقيادة القعقاع بن عمرو ومهمتهما تنفيذ عملية التضليل وفقاً للخطة المرسومة آنفاً، واقتحام أسوار العدو والإشتباك معه.
- الفرقة الثانية: مشاة بقيادته هو ، ومهمتهما التمركز في مواقع ثابتة ومموهة بانتظار وصول الفرس إليها حيث تنشب القتال معها في معركة جبهية.
- الفرقة الثالثة: خيالة ، وهي القوة الضاربة في الجيش ، ومهمتها التمركز في مواقع ثابتة ومموهة ثم الهجوم على قوات العدو من الجانبين.
- وأمر النعمان المسلمين في كمائنهم ( أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم)( )، والتزم المسلمون بالأمر ينتظرون إشارة النعمان بالهجوم.
وشرع القعقاع في تنفيذ الخطة ونجح نجاحاً رائعاً، وكانت مفاجأة الفرس مذهلة عندما وجدوا أنفسهم، في آخر المطاف محاصرين بين قوات المسلمين التي شرعت سيوفهم في حصد رقاب المشركين ولاذ المشركون بالفرار ليتحصنوا بخندقهم وحصونهم إلا أنهم وقعوا في خنادقهم وفي الحسك الشائك ،واستمر المسلمون يطاردونهم ويعملون سيوفهم في ظهورهم واقفيتهم حتى سقط من الفرس ألوف في الخندق واستطاع القعقاع أن يطارد الفيرزان فلحقه وقضى عليه ودخل المسلمون، بعد هذه المعركة "نهاوند" ثم همذان، ثم انطلقوا بعد ذلك يستكملون فتح ما تبقى من بلاد فارس دون مقاومة تذكر، ولم يكن للفرس بعد نهاوند اجتماع ، وملك المسلمون بلادهم لذلك سميت معركة نهاوند بفتح الفتوح( ).
لقد ظهر فقه الفاروق في معركة نهاوند في عدة أمور منها:
1- التحشد ومنع العدو من التحشد حيث لم يكتف الخليفة عمر (رضي الله عنه) بأن أمر عماله في الكوفة والبصرة والمسلمين في الجزيرة بالتحشد لقتال الفرس بل أمر قادته في الأهواز وباقي بلاد فارس أن يمنعوا العدو من التحشد فكلف سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وزر بن كليب والأسود بن ربيعة وسواهم أن يقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز وأن يمنعوا الفرس من الانضمام إلى الجيش المتحشد في نهاوند ، وهكذا فقد أقام هؤلاء القادة في تخوم أصبهان وفارس وقطعوا الإمداد عن نهاوند( ).
2- تعيين القادة إن مات قائد الجيوش:
كما فعل النبي ? يوم مؤته (8هـ/629م) عندما أمَّر على المسلمين زيد بن حارثة فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة على الناس، كذلك فعل عمر الفاروق يوم نهاوند عندما أمَّر النعمان على المسلمين فإن حدث بالنعمان حدث فعلى الناس حذيفة بن اليمان، فإن حدث بحذيفة حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن وتميز النعمان بقيادته الرفيعة والتي ظهرت في عدة أمور:

أ- الاستطلاع قبل السير للقتال:
كلف النعمان قبل السير بجيشه نحو نهاوند وكان على بعد "بضعة وعشرين فرسخاً" منها، كلاً من طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن أبي سلمى العنزي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي بالتقدم نحوها واستطلاع الطريق الموصلة إليها ومعرفة ما إذا كان من عدو بينه وبينها ، فسار الثلاثة مقدار يوم وليلة ثم عادوا ليبلغوا القائد العام أن ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه ولا أحد فكانت هذه البعثة أشبه بما يعرف في عصرنا بالطليعة "أو المفرزة المتقدمة" التي تسبق أي جيش لإستطلاع الطريق له قبل تقدمه، ومع ذلك أخذ النعمان كل الاحتياطات اللازمة عند تحركه بجيشه فسار "على تعبئة" كما يفترض أن يسير.

ب- عملية التضليل:
وكانت "عملية التضليل" التي نفذها المسلمون في نهاوند من أروع المناورات العسكرية التي يمكن أن ينفذها جيش في التاريخ القديم والحديث، فعندما عجز المسلمون عن اقتحام أسوار المدينة المحصنة والمحمية بالخندق المحيط بها وبالحسك الشائك وبالرماة المهرة، وقدروا أن الحصار سوف يستمر طويلاً دون جدوى طالما أن لدى الفرس المحاصرين داخل أسوار المدينة من الذخائر والمؤن ما يكفيهم للمقاومة مدة طويلة ، رأوا أن يعمدوا إلى الحيلة في استدراج العدو وإخراجه من "جحوره" ومواقعه، لكي يقاتلوه خارج تلك الأسوار فيكونون قد فرضوا عليه ميدان القتال الذي اختاروه بأنفسهم وقد تم ما قدَّره المسلمون تماماً ، فاستُدرج العدو إلى مواقع حددها المسلمون للقتال حيث كمنوا له ثم نازلوه في تلك المواقع جبهياً ومن كل جانب ، ففوجئ ثم ذعر فاسقط في يده وانهزم وليس هناك من حيلة أخرى يمكن أن يلجأ إليها خصم لإحراج خصمه وإخراجه والتغلب عليه أفضل من هذه الحيلة( ).

ج- اختيار ساعة الهجوم:
وقد تكلمت كتب التاريخ عن صبر النعمان بن مقرن وحنكته المتميزة المتناهية في اختيار ساعة الهجوم التي كان رسول الله ? يحبها عند الزوال، وتفيؤ الأفياء وهبوب الرياح.
لقد نال النعمان بن مقرن الشهادة في تلك المعركة الحاسمة ووصل خبر النعمان إلى أمير المؤمنين فقال: ( إنّا لله وإنا إليه راجعون) وبكى ونشج واشتد حزنه وسأل عن الشهداء فسمى له أسماء لا يعرفها فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين ولكنَّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم وما يصنع أولئك بمعرفة عمر( )؟
ومما يستحق الذكر أن المسلمين عثروا في غنائم نهاوند على سفطين( ) مملؤين جوهراً نفيساً من ذخائر كسرى فأرسلهما حذيفة أمير الجيش إلى عمر مع السائب بن الأقرع، فلما أوصلهما له قال: ( ضعهما في بيت المال، والحق بجندك).
فركب راحلته ورجع فأرسل عمر وراءه رسولاً يُخِب السيَر في أثره حتى جنة لحقه بالكوفة فأرجعه( ).
فلما رآه عمر قال: مالي وللسائب ماهو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها ، فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان ناراً؟ يتوعدوني بالكيِّ إن لم أقسمها فخذهما عني وبعهما في أرزاق المسلمين فبيعا بسوق الكوفة .
فرضى الله عنك ياعمر لقد سرت بسيرة نبيك فعزْزتَ وأعززت الإسلام والمسلمين ، اللهم ألهمنا الإتباع واكفنا شر الإبتداع( ).
وبعد معركة نهاوند تسارع زعماء الفرس من همذان وطبرستان، وأصبهان وطلبوا الصلح وتم لهم ذلك على التوالي( ).



المبــحث الرابع: الإنسياح في بلاد العجم ((المرحلة الخامسة)):

 


احمد_الدليمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-12-19, 01:50 AM   #40
الملف الشخصي للعضو

:: عضو برونزي ::

 
الصورة الرمزية احمد_الدليمي

معلومات إضافية للعضو
 
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 377650
الدولة: دولة الكويت
المشاركات: 827
بمعدل : 0.36 يوميا
المواضيع :
الردود :
Rep Power: 136309047
احمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزهاحمد_الدليمي تمتلك شخصيه فريده ومميزه

العضو : احمد_الدليمي المنتدى : قسم نصرة رسول الله والسيره العطره

بعد انتصار المسلمين في وقعة نهاوند لم يقم للفرس أمر، وانساح المسلمون في بلاد العجم وأذن لهم عمر في ذلك فافتتح المسلمون بعد نهاوند مدينة جَيّ ـ وهي مدينة أصْبهان( ) بعد قتال كثير وأمور طويلة ، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبدالله بن عبدالله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفراً إلى كرْمان لم يصالحوا المسلمين، وفي سنة إحدى وعشرين افتتح أبو موسى قُمَّ وقاشان( )، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كَرْمان.

أولاً: فتح همَذَان ثانية 22هـ:
تقدم أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند فتحوا حُلْوان وهمذان ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقعاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان فسار حتى نزل على ثنية العسل ، ثم تحدر على همذان ، واستولى على بلادها وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها فبينما هو فيها ومعه اثنا عشر ألفاً من المسلمين إذ تكاتب الديلم، وأهل الرأي وأهل أذر بيجان ، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الرُّواذ( )، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها فقتلوا من المشركين جماً غفيراً لا يحصون كثرة ،وقتل ملك الديلم وتمزق شملهم ، وانهزموا بأجمعهم ، بعد من قتل بالمعركة منهم ، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم( ) من المسلمين ،وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمّه ذلك واغتم له، فلم يفاجأه إلا البريد بالبشارة ، فقال: أبشير؟ فقال: بل عروة، فلما ثنَّى عليه، أبشير؟ فطِن فقال: بشير، فقال عمر: رسول نغيم وسماك بن عبيد؟ قال: رسول نعيم ، قال: ا لخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر وأخبره الخبر، فحمد الله وأمر بالكتاب فقُرئ على الناس فحمدوا الله ثم قدم سماك بن مخرمة وسماك بن عُبيد وسماك بن خرشة في وفود الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سماك وسماك وسماك ، فقال: بارك الله فيكم، اللهم اسمك بهم الإسلام ، وأيدهم بالإسلام( ).

ثانياً: فتح الرَّيّ سنة 22هـ :
استخلف نعيم بن مقرن على يزيد بن قيس الهمداني، وسار هو بالجيوش حتى لحق بالري( ) ، فلقي هناك جمعاً كثيراً من المشركين، فاقتتلوا عند سفح جبل الري، فصبروا صبراً عظيماً ثم انهزموا وقتل منهم نعيم بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عُدّوا بالقصب، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريباً مما غنم المسلمون من المدائن ، وصالح أبو الفرُّخان الملقب بالزينبي على الري، وكتب له أماناً بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس ولله الحمد والمنة( ).

ثالثاً: فتح قُومِسْى وجُرْجَان سنة 22هـ :
ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قوميس( )، فسار إليها سويد ، فلم يقم له شئ حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح ولما عسكر سويد بقوميس بعث إليه أهل بلدان شتى منها: جُرْجَان( ) وطبرستان( )، وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع ، وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح( ).

رابعاً: فتح أذربيجان سنة 22هـ :
لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثانية ، ثم الري، بعث بين يديه بُكير بن عبد الله من همذان إلى أذربيجان( ) وأردفه بسماك بن خرشَة وذلك عن أمر عمر بن الخطاب وليس بأبي دجانة( ) فلقى أسفندياذ بن الفرُّخزاذ بكيراً وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك فاقتتلوا فهزم الله المشركين وأسر بكير اسنفدياذ، فقال له: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال: بل الصلح. فقال: فأمسكني عندك فأمسكه ثم جعل يفتح أذربيجان بلداً بلداً ، وعتبة بن فرقد في مقابله في الجانب الآخر من أذربيجان يفتحها بلداً بلداً ، ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدم بُكير إلى الباب، وجعل سماكاً موضعه ـ نائباً لعتبة بن فرقد وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وسلم إليه بكيرُ اسفندياذ، وقد كان اعترض بهرام بن فرّ خزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة وهرب بهرام ، فلما بلغ ذلك اسفندياذ قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب، فصالحه وعادت أذربيجان سلماً، وكتب بذلك عُتْبةُ وبكير إلى عمر، وبعثوا بالأخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إليه إمرة أذربيجان كتاب أمان وصلح لأهلها( ).

خامساً: فتح الباب سنة 22هـ :
كتب عمر بن الخطاب كتاباً بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو ـ الملقب بذي النور فسار كما أمر عمر وهو على تعبئته فلما انتهى مقدم العساكر ـ وهو عبد الرحمن بن ربيعة إلى الملك الذي هناك عند الباب( ) وهو شهر براز، ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان فكتب شهر براز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنّه عبد الرحمن بن ربيعة فقدم عليه المَلكِ، فأنهى إليه أن صُغْوَه( ) إلى المسلمين وأنه مناصح للمسلمين فقال له: إن فوقي رجلاً فاذهب إليه ، فبعثه إلى سراقة بن عمرو أمير الجيش ، فسأل مِنْ سراقة الأمان فكتب كتاباً بذلك ثم بعث سراقة بكير بن عبدالله الليثي، وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللاّن، تفِليسس، ومُوقَان ، فافتتح بكير مُوقان، وكتب لهم كتاب أمان، ومات في غضون ذلك أمير المسلمين هناك سراقة بن عمرو، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة ، فلما بلغ عمر ذلك أقره وأمره بغزو الترك( ).

سادساً: أول غزو الترك:
لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك ، سار حتى قطع الباب قاصداً لما أمره عمر، فقال له شهر براز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بَلَنْجَر، فقال له شهر براز: إنّا لنرضى منهم بالموادعة، نحن من وراء الباب ـ فقال عبد الرحمن: إن الله بعث إ لينا رسولاً ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ وغزا مرات متعددة ، ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان رضي الله عنه( ).

سابعاً: غزو خُراسان سنة 22هـ :
كان الأحنف بن قيس قد أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، ويُضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الذي يحث الفرس والجنود على قتال المسلمين فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمّر الأحنف وأمره بغزو بلاد خراسان ، فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصداً حرب يزدجرد فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليه صُحَار بن فلان العبدِي ، ثم سار إلى مَرو الشهجان( ) وفيها بزدجرد وبعث الأحنف بين يديه مُطرّف بن عبدالله بن الشخِّير إلى نيسابور( )،والحارث بن حسان إلى سَرْخَس( )ولما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الروذ( )، فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها ، وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمدَّه، وكتب إلى ملك الصغد يستمدَّه، وكتب إلى ملك الصين يستعينه ، وقصده الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان ، وقد وفدت إلى الأحنف إمدادات من أهل الكوفة مع أربعة أمراء فلما بلغ ذلك يزدجرد ترحل إلى بلخ( )، فالتقى معه ببلخ فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر، واستوثق مُلك خراسان على يدي الأحنف بن قيس، واستخلف في كل بلدة أميراً ، ورجع الأحنف فنزل مرو الروذ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكاملها وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر. وقال: احفظ ما بيدك من بلاد خراسان ولما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك، فسار معه خاقان ، فوصل إلى بَلْخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفاً فسمع رجلاً يقول لآخر: إن كان الأمير ذا رأي فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره، ويبقى هذا النهر خندقاً حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه، وكان أمارة النصر والرشد وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الأحنف في الناس خطيباً فقال: إنكم قليل وعدوكم كثير فلا يهولُنّكم ? كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) ? (سورة البقرة ، آية:249)، فكان الترك يقاتلون بالنهار ولا يدري الأحنف أين يذهبون في الليل ، فصار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو خاقان ، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبلة فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:

إنّ على كُل رئيس حقا
إنّ لها شيخا بها مُلَقىّ
أن يخضِبَ الصّعْدة أو تَنْدَقّا
سَيفَ أبي حفص الذي تبقَّى



ثم استلب التركيَّ طوقه ووقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبلة ، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضاً واستلبه طوقه ووقف موضعه، فخرج ثالث فقتله وأخذ طوقه، ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية، وكان من عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطبلة ثم الثاني، ثم الثالث . فلما خرجت الترك فأتوا على فرسانهم مقتولين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير ، وقال لعسكره: قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله ، مالنا في قتال هؤلاء القوم من خير فانصرفوا بنا فرجعوا إلى بلادهم( ) وقد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وقد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث: اتركوا الترك ما تركوكم( ) ، ? وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرَاً وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيَّاً عَزِيزَاً? (الأحزاب،آية:25) ، ورجع كسرى خاسر الصفقة لم يشف له غليل، ولا حصل على خير ، ولا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه، وبقى مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء: ? وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(88) ? (النساء،آية:88).
وتحير في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب ؟ ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذي قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، وكيف يركبون الخيل والإبل، وماذا يضعون؟ وكيف يُصَلُّون؟ فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك أزالوني ما داموا على ما وصف لي رسولك فسالمهم وأرضَ منهم بالمسالمة ، فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين ولم يزال ذلك دأبه حتى قتل في إمارة عثمان( )، ولما بعث الأحنف بكتاب الفتح وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم، وأنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً ، فقام عمر على المنبر وقُرِئَ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن الله بعث محمداً بالهدى ووعد على ابتاعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال:? هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33) ? (التوبة،آية:33).
فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر جنده . ألا وإن الله قد أهلك مُلْك المجوسية وفرق شملهم، فليس يملكون من بلادهم شبراً يضير بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل ، يُوفِ لكم بعهده ويؤتكم وعده، ولا تغيروا فيستبدل قوماً غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم( ).

ثامناً: فتح اصطخر سنة 23هـ :
افتتح المسلمون اصطخر ـ للمرة الثانية ـ في سنة ثلاث وعشرين وكان أهلها قد نقضوا العهد بعدما كان جند العلاء بن الحضري افتتحوها حين جاز في البحر ـ في أرض البحرين ـ والتقوا هم والفرس في مكان يقال له طاوس، ثم صالحه الهِرْبذة على الجزية ، وأن يضرب لهم الذمة ، ثم إن شهرك خلع العهد، ونقض الذمة، ونشّط الفرس ، فنقضوا العهد، فبعث إليهم عثمان بن أبي العاص ، ابنه وأخاه الحكم ، فاقتتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين ، وقتل الحكمُ بن أبي العاص شهَرك( ).
تاسعاً: فتح فساودار بجرد سنة 23هـ:
قصد سارية بن زُنَيم فساودارا بجرد، فاجتمع له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم ، رأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار، وأنهم في صحراء ، وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى في الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأي أنهم اجتمعوا فيها ـ خرج إلى الناس وصعد المنبر ـ فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى ـ ثم قال: يا سارية الجبل ـ ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلغهم. قال: ففعلوا ما قال عمر ـ فنصرهم الله على عدوهم ـ وفتحوا البلد( ) .

عاشراً: فتح كَرْمان وسجستان سنة 23هـ :
قام سهيل بن عدي في سنة 23 بفتح كرمان ( )، وقيل فتحت على يدي عبدالله بن بُدَيل بن ورقاء الخزاعي( )، وذكر بعض المؤرخين فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد ، وكانت ثغورها متسعة ، وبلادها متنائية ما بين السد إلى نهر بلخ، وكانوا يقاتلون القُندهار والترك من ثغورها وفروجها( )


الحادي عشر: فتح مُكرَان سنة 23هـ:
في السنة 23هـ فتحت مكران على يدي الحكم بن عمرو، وأمده شهاب بن المخارق، ولحق به سهيل بن عدي ، وعبدالله بن عبدالله بن عتبان واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند وغنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة ، وكتب الحكم بن عمرو بالفتح وبعث بالأخماس مع صُحار العبدي فلما قدم على عمر سأله عن أرض مُكْران فقال: يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل ، وماؤها وشل( )، وتمرها دقل( )، وعدوها بطل ، وخيرها قليل ، وشرها طويل والكثير بها قليل والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها فقال عمر: أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا ، بل خبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو، أن لا يجوزون مكران، وليقتصروا على ما دون النهر( ).

الثاني عشر: غزوة الأكراد :
ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه: أن جماعة من الأكراد والتف إليهم طائفة من الفرس، اجتمعوا فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيرُوذ قريب من نهر تِيرَى( )، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان وقد ا ستخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد ـ فتسلم الحرب وخنق عليهم، فهزم الله العدو وله الحمد والمنة كما هي عادته المستمرة وسنته المستقرة، في عباده المؤمنين ، وحزبه المفلحين من أتباع سيد المرسلين ثم خمست الغنيمة وبعث بالفتح والخمس إلى عمر رضي الله عنه( ).
وهكذا تم فتح العراق وبلاد إيران في عهد عمر رضي الله عنه وأقام المسلمون المسالح في شتى أرجائها متوقعين انتقاض الفرس في هذه الديار ـ لقد كانت فتوح المشرق عنيفة اقتضت من المسلمين تضحيات جسيمة بسبب اختلاف الدم، فسكان إيران فرس لا تربطهم بالعرب لغة ولا جنس ولا ثقافة وكان الشعور القومي عند الإيرانييين يزكيه التاريخ الطويل والثقافة المتأصلة، كما أن القتال كان يدور في صميم الوطن الإيراني ويشترك رجال الدين المجوسي في تأليب السكان على المقاومة يضاف إلى ذلك بعد هذه المناطق عن مراكز الجيش في البصرة والكوفة ، وطبيعة الأرض الجبلية التي تمكن السكان من المقاومة ـ ولذلك فقد انتقضت معظم هذه المراكز، وأعيد فتحها في عهد الفاروق أو في خلافة عثمان رضي الله عنهما( ).


المبحث الخامس: أهم الدروس والعبر والفوائد من فتوحات العراق والمشرق:

أولاً: أثر الآيات والأحاديث في نفوس المجاهدين:
كان للآيات والأحاديث التي تتحدث عن فضل الجهاد أثرها في نفوس المجاهدين ، فقد بين المولى عز وجل أن حركات المجاهدين كلها يثاب عليها قال تعالى:? مَا كَانَ لأِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ(121) ? (التوبة،آية:120-121) ، وقد أيقن المسلمون الأوائل أن الجهاد تجارة رابحة قال تعالى: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ? (الصف،آية:10-13).
وقد تعلموا أن الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحجاج فيه قال تعالى: ? أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ
دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ(20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ
وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ(21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
أَجْرٌ عَظِيمٌ(22) ? (التوبة،آية:19-21)، واعتقدوا أن الجهاد فوز على كل حال قال تعالى:? قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ(52) ? (التوبة،آية:52)، وأن الشهيد لا تنقطع حياته بل هو حي قال تعالى:? وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ(171) ? (آل عمران:169-171) وكانوا يشعرون بسمو هدفهم الذي يقاتلون من أجله قال تعالى: ? فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالأخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(74) وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا(75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76) ? (النساء، آية: 74-76).
وقد بين الرسول ? للمسلمين فضل الجهاد فألهبت تلك الأحاديث مشاعرهم وفجّرت طاقاتهم ومن هذه الأحاديث ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ? : (مؤمن يجاهد بنفسه وماله)( ) ، وقد بين رسول الله ? درجات المجاهدين قال ?: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة( )، وقد وضح ? فضل الشهداء وكرامتهم فقال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يُخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلفْ سرَّية ولوددتُ أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل)( ) وقال ?: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شئ إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)( )، وغير ذلك من الأحاديث وقد تأثر المسلمون الأوائل ومن سار على نهجهم بهذه الآيات والأحاديث ـ فكان كبار الصحابة رضي الله عنهم يغزون وقد شاخوا فيشفق عليهم الناس وينصحونهم بالقعود عن الغزو لأنهم معذورون فيجيبونهم أن سورة التوبة تأبى عليهم القعود ويخافون على أنفسهم من النفاق إذا ما تخلفوا عن الغزو( ).

1- من ثمرات الجهاد في سبيل الله:
كان الصحابة والتابعون بإحسان في العهد الراشدي يرون أن الجهاد في سبيل الله ضرورة من ضرورات بقاء الأمة الإسلامية فقاموا بهذه الفريضة في فتوحات العراق وبلاد المشرق والشام ومصر والشمال الأفريقي وترتب على قيامهم لهذه الفريضة ثمرات كثيرة منها: تأهيل الأمة الإسلامية لقيادة البشرية ،القضاء على شوكة الكفار وإذلالهم وإنزال الرعب في قلوبهم ، ظهور صدق الدعوة للناس الأمر الذي جعلهم يدخلون في دين الله أفواجا فيزداد المسلمون بذلك عزاً والكفار ذلاً، وتوحدت صفوف المسلمين ضد أعدائهم واسعدوا الناس بنور الإسلام وعدله ورحمته( ).

ثالثاً: من سنن الله في فتوحات العراق وبلاد المشرق:
يلاحظ الباحث في دراسته لفتوحات العراق وبلاد المشرق بعض سنن الله في المجتمعات والشعوب والدول ومن هذه السنن :

1- سنة الأخذ بالأسباب:
قال تعالى:? وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ(60) ? (الأنفال،آية:60).
وقد طبق الفاروق رضي الله عنه في عهده هذه الآية وأخذ بالأسباب المادية والمعنوية كما مرّ معنا.

2- سنة التدافع:
قال تعالى:? وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251) ? (البقرة،آية:251).
وقد تحققت هذه السنة في حركة الفتوحات عموماً وسنة التدافع من أهم سنن الله تعالى في كونه وخلقه وهي من أهم السنن المتعلقة بالتمكين للأمة الإسلامية ، وقد استوعب المسلمون الأوائل هذه السنة وعملوا بها وعلموا: أن الحق يحتاج إلى عزائم تنهض به وسواعد تمضي به وقلوب تحنو عليه وأعصاب ترتبط به ـ إنه يحتاج إلى جهد بشرى لأن هذه سنة الله في الحياة الدنيا وهي ماضية( ).
3- سنة الابتلاء:
قال تعالى: ? أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214) ? (البقرة،آية:214).
وقد وقع البلاء في فتوحات العراق في معركة جسر أبي عبيد على الخصوص حيث قتل الآلاف من المسلمين وهزم جيشهم ثم أعادوا صفوفهم وحققوا انتصارات عظيمة على الفرس وقد قال تعالى: ? لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ...?
(آل عمران،آية:186).
ومن الملاحظ من خلال الآيات الكريمة أن تقرير سنة الإبتلاء على الأمة الإسلامية جاء في أقوى صورة من الجزم والتأكيد( )، وهذه سنة الله تعالى في العقائد والدعوات لا بد من بلاء ، ولا بد من أذى في الأموال والأنفس ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام( ).

4- سنة الله في الظلم والظالمين:
قال تعالى: ? ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ(100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ(101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102) ?
(هود،آية:100-102).
وسنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة وقد مارست الدولة الفارسية الظلم على رعاياها وتمردت على منهج الله فمضت فيها سنة الله وسلط الله عليها المسلمين فأزالوها من الوجود( ).

5- سنة الله في المترفين:
قال تعالى: ? وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16) ? (الإسراء،آية:16).
وجاء في تفسيرها: وإذا دنا وقت هلاكها أمرنا بالطاعة مترفيها أي متنعميها
وجبّاريها وملوكها ففسقوا فيها فحق عليها القول فأهلكناها وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم وإغوائهم ، فكان توجه الأمر إليهم آكد( )، وقد مضت هذه السنة في زعماء الفرس وأئمتهم.

6- سنة الله في الطغيان والطغاة:
قال تعالى: ? إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)? (الفجر،آية:14). والآية وعيد للعصاة مطلقاً وقيل وعيد للكفرة وقيل وعيد للعصاة ووعيد لغيرهم( ).
وفي تفسير القرطبي: أي يرصد كل إنسان حتى يجازيه به( ).
وواضح من أقوال المفسرين في الآيات التي ذكرناها في الفقرة السابقة أن سنة الله في الطغاة إنزال العقاب بهم في الدنيا فهي سنة ماضية لا تتخلف جرت على الطغاة السابقين وستجري على الحاضرين والقادمين فلن يفلت أحد منهم من عقاب الله في الدنيا كما لا يفلت أحد منهم من عقاب الآخرة( ).
وسنة الله في الطغاة وما ينزله الله بهم من عقاب في الدنيا إنما يعتبر بها من يخشى الله جلّ جلاله ويخاف عقابه ويعلم أن سنة الله قانون ثابت لايحابي أحداً قال تعالى في بيان المعتبرين بسنته في الطغاة بعد أن ذكر ما حلّ بفرعون من سوء العقاب
? فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الأخِرَةِ وَالأولَى(25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى(26) ? (النازعات،آية:25،26)، فهؤلاء الطغاة من زعماء الفرس مضت فيهم سنة الله.

7- سنة التدرج:
خضعت فتوح العراق وبلاد المشرق لسنة التدرج ـ فكانت المرحلة الأولى في عهد الصديق حيث تم فتح الحيرة بقيادة خالد بن الوليد ، وأما المرحلة الثانية فتبدأ من تولي أبي عبيد الثقفي قيادة لجيوش العراق حتى معركة البويب ـ وأما المرحلة الثالثة فتبدأ منذ تأمير سعد بن أبي وقاص على الجهاد في العراق إلى ما قبل وقعة نهاوند ، وتبدأ المرحلة الرابعة من وقعة نهاوند وأما المرحلة الخامسة فهي مرحلة الإنسياح في بلاد الأعاجم.
إن حركة الفتوحات يتعلم منها أبناء المسلمين أهمية مراعاة سنة التدرج في العمل للتمكين لدين الله ، ومنطلق هذه السنة أن الطريق طويل ولذلك لا بد من فهم واستيعاب هذه السنة بالنسبة للعاملين في مجال الدعوة الإسلامية ، فالتمكين لدين الله في العراق وبلاد المشرق لم يتحقق بين عشية وضحاها ولكنه خضع بإرادة الله لهذه السنة.

8- سنة تغيير النفوس:
قال تعالى:? إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ...?? (الرعد،آية:11)
وقد قام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في فتوحات العراق وبلاد المشرق بالعمل بهذه السنة الربانية مع الشعوب التي أرادت أن تدخل في دين الله
ـ فشرعوا في تربية الناس على كتاب الله وسنة رسوله ? ـ فغرسوا في نفوسهم العقائد الصحيحة والأفكار السليمة والأخلاق الرفيعة.

9- سنة الله في الذنوب والسيئات:
قال تعالى: ? أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ(6) ? (الأنعام،آية: 6).
وقد أهلك الله تعالى أمة الفرس بسبب ذنوبهم التي اقترفوها والتي من أعظمها الكفر والشرك بالله وفي هذه الآية حقيقة ثابتة وسنة مطردة: أن الذنوب تهلك أصحابها وأن الله تعالى هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم( )، وقد سلط الله أمة الإسلام على الفرس عندما حققت شروط التمكين وعملت بسننه وأخذت بأسبابه .

رابعاً: الأحنف بن قيس يغير مجرى التاريخ:
كان عمر متمسكاً برأيه في الاقتصار على ما فتح من فارس ومنع جيوشه من التوغل في المشرق ولا سيما بعد أن انكسر الهرمزان وفتح المسلمون الأهواز.
فقال عمر: حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم ،وقال لأهل الكوفة: وددت أن بينهم وبين الجبل جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم .
وفاوض عمر الوفد في هذا الأمر فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين أخبرك إنك نهيتنا عن الإنسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا وإن ملك فارس حيَّ بين أظهرهم وإنهم لا يزالون يساحلوننا مادام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا - أي التقيا - حتى يخرج أحدهما صاحبه ـ وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئاً إلا بانبعاثهم وإن ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وغرامته ، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويُضربون جأشاً( ) .
فقال عمر للأحنف: صدقتني والله وشرحت لي الأمر على حقه.
وأذن عمر بالانسياح في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف،وعرف فضله وصدقه فساحوا في تلك البلاد ودفع لواء خراسان إلى الأحنف ، ووزع بقية الألوية إلى الأبطال من قادة المجاهدين ، ورسم لهم خطة الحرب والتقدم ، ثم جعل يمدهم بالجيوش من ورائهم( ).

 


احمد_الدليمي غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة



الساعة الآن 08:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. ,
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc. القمه
شات